لماذا قالت الملائكة: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء” كيف عرفوا ذلك ، ومن سكن الأرض قبل سيدنا آدم ؟

لا شك أن خلق الملائكة كان سابقا عـLـي خلق آدم عـLــيه السلام، فقد أخبرنا الله تعالى في أكثر من موضع من كتابه العزيز أنه أعلم الملائكة بأنه سيخلق بشرا من طين، ثم أمرهم بالسجود له حين يتم خلقه، وذلك دليل ظاهر عـLـي أن الملائكة كانوا موجودين قبل خلق البشر.

يـقـgل الله تعالى: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ص/71-72

وقد أخبر سبحانه وتعالى في سورة البقرة عن حواره مع الملائكة قبل خلق آدم، وذلك دليل ظاهر أيضا عـLـي وجودهم قبل آدم عـLــيه السلام.

قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة/30

ولكن كيف عرفت الملائكة أن الخليفة الجديد في الأرض سيفسد فيها ويسفك الد0ماء ؟

اختلف في ذلك أهل العلم عـLـي أقوال:

القول الأول: أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم، وإن كان ذلك لم يذكر في السياق.
قاله ابن مسعود وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد وابن قتيبة.
كما في “زاد المسير” لابن الجوزي (1/60)
وهو قول أكثر المفسرين كما قاله ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (7/382)

يـقـgل ابن القيم رحمه الله: ” وفي هذا دلالة عـLـي أن الله قد كان أعلمهم أن بني آدم سيفسدون في الأرض، وإلا فكيف كانوا يقولون ما لا يعلمون، والله تعالى يـ|غـgل وقوله الحق (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ )، والملائكة لا تقول ولا تعمل إلا بما تؤمر به لا غير، قال الله تعالى ( ويفعلون ما يؤمرون ) ” انتهى. “مفتاح دار السعادة” (1/12).

القول الثاني: أنهم قاسوه عـLـي أحوال من سلف قبل آدم عـLـي الأرض، وهم الجن، فقد سبقوا الإنسان في الأرض وكانوا يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فعلمت الملائكة أن البشر سيكونون عـLـي حال من سبقهم.
روي نحو هذا عن ابن عباس وأبي العالية ومقا0تل. انظر “زاد المسير” (1/61)

يـ|غـgل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ” قول الملائكة: ( أتجعل فيها من يعكر فيها ويس0فك الد0ماء ) يرجِّحُ أنهم خليفة لمن سبقهم، وأنه كان عـLـي الأرض مخلوقات قبل ذلك تسف0ك الد0ماء وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها عزّ وجلّ: ( أتجعل فيها من يعكر فيها ويس0فك الد0ماء ) كما فعل من قبلهم ” انتهى. “تفسير القرآن الكريم” (1/آية 30).

القول الثالث: أنهم فهموا ذلك من الطبيعة البشرية.
وهو الذي يبدو من اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في “منهاج السنة” (6/149)
يـ|غـgل العلامة الطاهر ابن عاشور: ” وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف، بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه |لجـШــ⊂ية والعقلية والنطقية، إما بوصف الله لهم هذا الخليفة، أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفـ، ،ـخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفـ، ،ـخ الروح فيه، فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب، وعن الامتثال الى العصيان…، ومجرد متابعة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عـLــيه من عجائب الصفات.. ”
قال: ” وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة عـLـي صفات الإنسان قبل بدوها منه.. ” انتهى مختصرا من “التحرير والتنوير” (1/230).

القول الرابع: أنهم فهموا من قوله تعالى ( خليفة ) أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي “الجامع لأحكام القرآن” (1/302).

والمعنى: أنه إذا كان هناك خليفة يحكم بين الناس في المظالم، فإنه يلزم من ذلك أن هؤلاء الناس تقع منهم المظالم.

وأنت ترى أخي السائل أنها أقوال Oــختـ|ــفة ليس عـLـي أي منها نصوص صريحة من الكتاب والسنة، إنما هي استنباطات لأهل العلم، قد تصيب وقد تخطئ، وإنما أراد الله تعالى أن نتعلم ما في هذه القصة من العبرة والعظة،
وما كرم الله تعالى به الإنسان حين خلق آدم فأسجد له الملائكة، وما سوى ذلك من تفاصيل القصة، لا يضر الجهل بها، لذلك لم يأت الكتاب ببيانها، والله تعالى أعلم بالصواب.

تنبيه: ليس في هذا السؤال من الملائكة المكرمين لرب العزة سبحانه، عن خلق آدم وذريته |cـتر|ض عـLـي الحكمة، أو معارضة لله سبحانه، فإنهم منزهون عن ذلك. قال ابن كثير رحمه الله: وقول الملائكة هذا ليس عـLـي وجه الاعتراض عـLـي الله، ولا عـLـي وجه الح0سد لبني آدم،كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي: لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه ،.. وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ؛ يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يعكر في الأرض ويس0فك الد0ماء ؟!!
فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي نصلي لك… ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا ؟

قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال: إني أعلم مالا تعلمون أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف، عـLـي المفاسد التي ذكرتموها، مالا تعلمون أنتم ؛ فإني جاعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء والعاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم.. ) تفسير ابن كثير (1/69).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top