Just another News 188 Media Sites site
الحمد للّه الّذي أنزل القرآن فيه آيات بيّنات في حقّ أولاد إسرائيل (يعقوب (ع))، ثمّ الصلاة والسلام علي محمد وآله الأطهار الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
إذا أردنا التعرّف علي صفات الإسرائيليين فعلينا بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يشوبه شائب، يتلو علينا من نبأ موسي وفرعون بالحقّ، وكذلك يقصّ علينا أحسن القصص التي تكشف لنا الشخصية اليهودية ماضيها وحاضرها ومستقبلها… فإذا اطّلعنا علي ذات اليهود عرفنا ذاتية الصهاينة المريضة والغير المستوية، ولا سبيل أوثق من القرآن الكريم في هذا المجال.
لقد شمّرت عن ساعد الجدّ، وبحثت في القرآن المجيد فعثرت علي ما يشفي الغليل ووجدت المطلوب فدوّنت القصاصات، وطالعت الكتب والمصادر، فوجدت الصهاينة يمتلكون أخسّ وأرذل الصفات بين شعوب العالم، فأحببت أن أجمعها في مقالة راجياً اللّه العزيز أن يتقبّله منّا بأحسن القبول.
ثمّ إنني وجدت هذه الصفات قد تناقلتها الأبناء عن الآباء جدّاً عن جدّ، وترسّخت فيهم وراثياً، بحيث أن صهاينة اليوم ليس لهم حول ولا قوة في العدول والتخلّي عنها.
وتدور هذه الرذائل علي محورين :
الأول: المحور المادّي ويتجلّي في أكل الربا والفساد في الأرض، وكنزالأموال، وتحريف كلام الجبّار والافتراء عليه، وقتل الأنبياء بغير حقّ ومعاداة أهل الإيمان…
الثاني : المحور الروحي والنفسي، ويتجلّي في حيازتهم علي الصفات الرذيلة من الحرص والطمع والجبن والخوف والذلّة والفرار من الزحف، وقساوة القلب وعدم الوفاء بالعهد، والعناد وعدم التسليم لربّ العباد.
عبدة العجل، أصحاب الشكّ والاعتراضات في الأمور، بغاة مستكبرون، منكرون لنعم السماء، المدّعون بأنهم ليسوا من أصحاب النار، وانّهم شعب اللّه المختار…
العاقبة انّ شعباً مثل الصهاينة لابدّ وأن تكون عاقبتهم شؤماً وسوءاً ونري أنّ القرآن الكريم يبيّن لنا كيفية انتقام الجليل من هؤلاء الشرذمة بأبشع صورة، حيث ذلّهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة.
هذا ما أردنا أن نفصّله في مقالتنا هذه ولا ندري هل يقع موضع الرضا لدي القرّاء أم لا؟ ومن اللّه التوفيق.
نص المقالة :
«المحور الأول: البعد المادّيّ»
أشرنا في خلاصة المقالة أنّ الصفات التي ظهرت في الشخصية الصهيونية المريضة تحوم علي محورين أساسيين (مادي وروحي)، ونبدأ بالبعد المادّيّ :
أولاً : الافتراء والكذب علي اللّه :
لما كانت الشخصية الصهيونية مريضة، إذن فهي مصدر أمراض نفيسة شتّي، ثمّ انّ هذه الأمراض وجدت لها خير مرتع عند اليهود فبدأت افتراءاتهم وتُهمهم تتجه نحو الباري المصوّر، حيث يصفهم قائلاً «وقالت اليهودُ يدُ اللّه ِ مغلولةٌ غُلَّتْ أيديهِمْ ولُعِنُوا بِما قالوا » (64 / المائدة)، فإنّك لتري عظيماً من القول وزوراً، تمجّه أفواه الظلمة من اليهود، فهذه النظرة المريضة في منطقهم للّه سبحانه، فما بالك بالآخرين الّذين هم دونه تعالي.
وإنّهم لمّا لم يتورّعوا عن الكذب والافتراء علي الساحة الربوبية، فكيف بنا وبالآخرين، وكذلك يقصّ علينا القرآن العزيز كيفية تجرأهم علي الافتراء في أحكام اللّه ، حيث يخاطبهم الكتاب الكريم قائلاً: «وَلا تَقولوا لِمَا تَصِفُ ألسِنَتُكُم الكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَي اللّه ِ الكَذِبَ » (116 النحل). ثم إنّ جرأتهم أصبحت أكبر شأناً من هذا، فأخذوا البيع في كلام اللّه كما يعبّر عنهم القرآن قائلاً «فَلا تَشْتَرُوا بِآياتي ثَمَناً قَليلاً » (البقرة / 41)، (وروي عن أبي جعفر (ع) في هذه الآية، قال: كان حيّ ابن أخطب وكعب بن الأشرف وآخرون من اليهود لهم مأكلة علي اليهود في كلّ سنة، فكرهوا بطلانها بأمر النبيّ (ص)، فحرّفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الذي اُريد في الآية)(1)، فهؤلاء القوم أصبحوا تجّاراً يتبادلون كلام اللّه كسلعٍ تجارية فيما بينهم وقد حذّر اللّه تعالي من مغبة الإفتراء قائلاً :
1 بعدم الفلاح للذين يتعاطونها حيث يقول «الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَي اللّه ِ الْكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ » (يونس / 69).
2 يصفهم بالظلم «ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افتَرَي عَلَي اللّه ِ كَذِبَاً » (21 / الأنعام) فلا تري أظلم من اليهود اليوم علي وجه الأرض.
3 وأخيراً وسمهم بالكفر قائلاً «الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَي اللّه ِ الكَذِبَ » (103 / المائدة).
ثانياً : تحريف الكلام :
ونعني به تغيير الكلمة عن معناها الأصلي، وهي من الصفات المقيتة والسيئة التي يتصف بها اليهود في ماضيهم وحاضرهم وأصبحت مورثة عندهم جيلاً بعد جيل، ولا يخافون أحداً ولا يرهبون الضمير والوجدان كما صرّح اللّه تعالي في بعضهم قائلاً «وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللّه ِ ثُمَّ يُحرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون » (البقرة / 75).
يقول العلاّمة الطبرسي في تفسيره: «وإنّما أراد اللّه سبحانه بالآية أنّ هؤلاء اليهود الّذين كانوا علي عهد النّبيّ (ص) إن لم يؤمنوا به وكذّبوه وجحدوا نبوّته، فلهم بآبائهم وأسلافهم الّذين كانوا في زمان موسي (ع) أُسوة، إذ جروا علي طريقتهم في الجحد والعناد»(2).
واختلفت الأقوال في هذا (الفريق منهم)، قيل إنّهم علماء اليهود وقيل إنّهم السبعون رجلاً الّذين اختارهم موسي (ع).
وإنّك تجد القرآن العظيم يشير إلي هذه الرذيلة في مواضع مختلفة، منها ما جاء في سورة النساء «مِنَ الَّذِيْنَ هَادُوا يُحرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » (النساء / 46)، أي يبدّلون كلمات اللّه وأحكامه عن مواضعها، «وقال مجاهد: يعني بالكلم: التوراة وذلك أنهم كتموا ما في التوراة من صفة النبيّ (ص) »(3).
وما أن تنتهي سورة النساء إلاّ وتتعرّض سورة المائدة إلي هذه الصفة الرذيلة ثانية لتدلّ علي عظم المصيبة والبلاء الذي استند اليهود إليه في حياتهم وتذكرنا بأنهم كانوا يحرّفون الكلام، والتحريف هذا كان يتم بأحد أمرين: امّا بسوء التأويل، وامّا بالتغيير والتبديل.
وإنّك لتري القرآن الكريم يصرّ علي أنهم «محرّفون لكلام اللّه سبحانه وتعالي بقوله «يُحَرِّفُونَ الكَلِمُ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ » (المائدة : 41) أي من بعد أن وضعه اللّه مواضعه، أي فرض فروضه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه»(4).
فإنّ هذه الشواهد الحيّة القرآنية والحكايات التي نقلتها التفاسير الإسلامية ترشدنا إلي القول القاطع بأنّ اليهود من أصحاب التحريف الذي تجذّر فيهم.
ثالثاً : قتل الأنبياء :
ما من صنيعة سيئة إلاّ وارتكبها الصهاينة، وممّا اقترفه هؤلاء القوم (القتل) الذي يعدّ من أعظم الذنوب عند اللّه ، حيث يقول «مَنْ قَتَلَ نَفساً بغيرِ نَفْسٍ أو فَسادٍ في الأَرضِ فكأ نَّمَا قتلَ النَّاسَ جَميعاً » (المائدة / 32)، وسيجزي نار جهنّم خالداً فيها، وما القتل إلاّ من الأمور المنكرة، التي حرّمها اللّه ، ثمّ تعاظموا فيها شيئاً فشياً حتي توصّلوا إلي قتل الأنبياء (ع) بغير حقّ.
هذا ما نراه في القرآن الكريم حيث يصرّح عنهم في مواطن عديدة في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، حيث يعبّر عنهم قائلاً انّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقّ ظلماً وعدواناً، أو يخاطبهم علي لسان الرسول (ص)، قل: «فَلِمَ تقتلونَ أنبياءَ اللّه ِ بغيرِ حقٍّ » (البقرة / 91) والحال هو محرّم عليكم، كما جاءكم في الكتاب.
وجاء في تفسير قوله تعالي «وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بغيرِ حقٍّ ويقتلُونَ الَّذِينَ يأمُرونَ بالقسطِ من النّاسِ » (آل عمران / 21)، حديثاً تقشعر منه الجلود «حيث روي عن أبي عبيدة ابن أبي الجرّاح، قال قلت يا رسول اللّه ، أيّ النّاس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ فقال رجلاً قتل نبيّاً أو رجلاً أمر بمعروف ونهي عن منكر ثمّ قرأ «ويقتلون… الآية » . ثم قال (ص): يا أبا عبيدة، قتل بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّاً من أوّل النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلاً من عُبّاد بني إسرائيل فأمروا مَن قتلهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فقُتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم»(5).

ويبدو من ظاهر كلام اللّه سبحانه وتعالي في قوله (وقتلهم الانبياء) أنه رضي في جماعة منهم بفعل القاتلين «وإن الرضا بفعل القبيح يجري مجراه في عظم الجرم، لأن اليهود الذين وصفوا بقتل الأنبياء لم يتولّوا ذلك بأنفسهم وإنما ذُمّوا بذلك لأنهم بمنزلة من تولاّه في عظم الإثم»(6).
علماً بأنّ عملية القتل كانت تتم بعد أن تكمل الحجة عليهم، أي أصبحوا عارفين بحقّهم. هذا وانّ اللّه سبحانه وتعالي حذّر من مغبّة القتل بقوله «لا تعتدوا إنَّ اللّه َ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ » (المائدة / 78)، وما جائهم هذا الشرُّ (قتل الأنبياء) إلاّ أ نّهم كانوا يعصون ويعتدون ويتجاوزون علي حقوق الآخرين، وستكون عاقبة أمرهم أن «أَ لْقِيَا في جهنَّمَ كلَّ كفّارٍ عنيدٍ منّاعٍ للخيرِ معتدٍ مُريب » (ق / 25).
رابعاً : أعداء أهل الإيمان :
نهي اللّه سبحانه وتعالي عن السير علي خطوات الشيطان، لأ نّه من أكبر أعداء الإنسان، ولا غبار علي هذا الكلام، حيث يصفه اللّه في مواطن عديدة بقوله «إنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ » (البقرة / 168)، وكذلك يأمرنا بأن لا نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا العدوّ الظاهر، بل علينا مقاومته ومحاربته ونتّخذه عدوّاً لنا، وهو أيضاً من جانب آخر بؤرة الفساد للمجتمع الإنساني حيث عبّر اللّه عنه قائلاً «إنّما يريدُ الشَّيطانُ أن يوقِعَ بينكُم العداوةَ والبغضاءَ » (المائدة / 91)، ومن المعروف انّ للشيطان أتباع وأولياء بعضهم من الناس والآخر من الجنّ، ويعدُّ اليهود من هؤلاء التّابعين له حيث عبّر عنهم القرآن بقوله «لتجدنَّ أشَدَّ النَّاسَ عَداوةً للّذينَ آمنوا اليهودَ » (المائدة / 82)، فهم من أشدّ النّاس عداوة لأهل الإيمان كما هو شأن الشيطان الرجيم، وكذلك أنهم من أشدّ الناس عداوة لرسول اللّه (ص) وما عداوتهم إلاّ من الحسد.
فعلي المسلمين في العالم أن يتخذوا الصهاينة أعداء لهم، وأ لاّ يتغافلوا عنهم لحظة، فإنّهم لبالمرصاد لأهل الإيمان.
خامساً : الإفساد في الأرض :
وممّا يتصف به الصهاينة من السوء والفحشاء هو الإفساد في الأرض، ومن المعلوم إنّ اللّه سبحانه وتعالي نهي عن ذلك قائلاً «ولا تَعِثُوا في الأَرضِ مُفْسِدِيْنَ » (البقرة / 60)، وله كلام يشابه ذلك في مواطن أخري من القرآن المجيد، وما يكون الإفساد في الأرض إلاّ من شيمة الملوك والطغاة الذين صرّح عنهم القرآن قائلاً «ان الملوكَ إذا دَخَلوا قَريةً أفسَدوها » (النّمل / 34).
واعلم انّ اللّه تعالي لا يحب الفساد ولا يصلح أمر المفسدين وانّه تعالي حذّر من مغبّة ذلك بقوله «وانظروا كيفَ كانَ عاقبةُ المفسدينَ » (الأعراف / 86) وثم أمر المؤمنين أن يدعوا اللّه بالنصرة عليهم.
هذا وانّ القرآن الكريم يصرّح علناً بإفساد اليهود في الأرض مرتين حيث يقول «وقضينا إلي بني اسرائيلَ في الكتابِ (التوراة) لَتُفْسِدُنَّ في الأَرضِ مَرَّتَيْنِ ولتعلُنَّ عُلُوّاً كَبيراً » (الإسراء / 4) حيث أشارت التواريخ والتفاسير مفصلاً إلي هذا الفساد الذي تجلّي في ظلمهم وأخذهم الأموال وقتلهم الأنبياء وسفكهم الدماء، «فقد سلّط اللّه عليهم سابور ذا الأكتاف ملكاً من ملوك فارس في قتل زكريا، وسلّط عليهم في قتل يحيي بخت نصر وهو رجل خرج من بابل»(7)، «وقيل كان بين فساد الأول والثاني مائتا سنة وعشرة سنين»(8).
هذا فليعلم صهاينة اليوم انّ عاقبة فسادهم في الأرض أن يقتّلوا وينفوا منها كما فُعِلَ بأشياعهم من قبل.
سادساً : تعاطي الربا :
لقد حرّم اللّه تعالي الرّبا في جميع كتبه السماوية ومنها التوراة، وها هو القرآن الشريف يحدّثنا عن التحريم لدي اليهود قائلاً «وأخْذِهِمْ (اليهود) الرّبا وَقَدْ نُهوا عَنْهُ (حُرّم عليهم) » (النساء / 161)، وهو أيضاً يحرّمه علي المسلمين قائلاً «وأحلّ اللّه ُ البيعَ وحرَّمَ الرّبا » (البقرة / 275) وانّه تعالي شدّد في تحريمه قائلاً «لا تأكُلوا الرّبا أضعافاً مضاعفةً » (آل عمران / 130)، أو كما يقول «يُمْحِقُ (ينقص) اللّه ُ الرِّبا يُربي (يزيد وينمي) الصَّدَقاتِ » (البقرة / 276)، فالقرآن لما أغلق باب الرّبا فتح وأحلّ باب البيع والصدقات، وجعله محلاً لتزايد الثروات، علي خلاف ما يتصوّره الجهلاء انّ الزيادة في الربا المحرّم.
واعلم إنّ الربا هو «زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل أو زيادة في البضاعة»(9).
ثمّ إنّ القرآن الكريم يصوّر الذين يتعاطون الربا بأبشع صورة حيث يقول «الَّذينَ يأكُلُونَ الرّبا لا يقومونَ إلاّ كَما يقومُ الّذي يَتَخَبَّطُهُ (بضرب علي غير استواء) الشّيطانُ من المَسِّ (المجنون) » (البقرة / 375)، ولكن اليهود طاب واحلَولي لهم أكل الحرام وفعل المحرمات.
هذا وإنّ أحاديث كثيرة جاءت في ذمّ الربا نذكر منها «ما روي عن الإمام عليّ (ع) انّه قال: لعن رسول اللّه (ص) في الرّبا خمسة، آكله وموكله وشاهديه وكاتبه. وعنه (ع) قال: إذا أراد اللّه بقرية هلاكاً ظهر فيهم الرّبا. وعنه (ع) قال: للرّبا سبعون باباً أهونها عند اللّه الذي ينكح أمّه»(10).
سابعاً : الثروة المادية عند اليهود :
من المعروف عن الإسرائيليين انّهم ماديين بمعني الكلمة، ونري ذلك بوضوح في ماضيهم (قصة قارون) وفي حاضرهم (المشهود في أوروبا وخاصة في أمريكا)، ولقد أشارت الآيات القرآنية إلي أربعة مواقف مختلفة من قبل هذا المادي العنيد (قارون اللعين) اتّجاه ربّ موسي وقومه ونفسه الشريفة (ع). وقارون يُعدّ من أغني الأغنياء في عصره، فغناه الماديّ هذا جعله أن يكون باغيّاً فرحاً مغرواً مفسداً ومستكبراً في الأرض.
من هو قارون ؟
قال اللّه تعالي : «إنَّ قارونَ كانَ مِنْ قَومِ مُوسَي، فَبَغَي عَلَيْهم وآتيناهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بالعُصْبَةِ… » (القصص / 76)، فاسمه قارون وهو من الإسرائيليين وله قرابة معه (ع)، قيل كان ابن خالته وقيل كان ابن عم موسي لحّاً وقيل كان موسي ابن أخيه وقارون عمّه، حيث نافق كما نافق السامريّ من قبل، وإنّ اللّه تعالي تفضّل عليه بالكرم والجود حيث أغدقت عليه السماء بنعمها، قال الكلبيّ «وحُكي أنّ موسي (ع) علّم قارون الثلث من صنعة الكيمياء، وعلّم يوشع الثُلث منها، وعلّم ابن هارون الثلث منها، فخدعهما قارون حتي علم ما عندهما وعمل بالكيمياء فكثرت أمواله»(11).
وخرج يوماً في موكبه الملوكيّ «في أربعة آلاف دابّة، عليها أربعة آلاف فارس عليهم وعلي دوابهم الأرجوان»(12)، فبغي وطغي ومارس السلوك الشاذ حيال ربّ العباد علي ما أنعم عليه، واغترّ بنفسه واسند ظهره إلي علمه دون اللّه تعالي، فحلّت به الندامة وباء بالفشل في الدنيا والقيامة، حيث يقول تعالي «فخسفنا بهِ وبدارهِ الأرضَ وما كانَ من فئةٍ ينصرونه من دون اللّه وما كانَ من المنتصرين » (القصص / 80).
ثامناً : ادّعاءات فارغة :
إنّ الشخصية المريضة الإسرائيلية مصابة من جميع الجهات فهي هي، التبختر والتكبّر يظهر علي ألسنتهم فتكشف لنا حالتهم المريضة (ألم يقولوا ذات يوم إنّ النار لن تمسّنا (يوم القيامة) إلاّ أيّاماً معدودات؟ ألم يقولوا (كبراً ونخوة) إن سواهم ليس علي شيء؟ ألم يزعموا انّهم : الشعب المختار.(13)
وأمّا المحور الثاني الذي يحوم علي المحور الروحي والنفسي فيشمل الموضوعات التالية :
أولاً : الاعتراضات :
نشيرُ هنا إلي ما ذكره القرآن الكريم من الاعتراضات، وهي علي قسمين، الاُولي تتجلي في مسألة ذبح البقرة والتي حدثت في حياة موسي (ع) والثانية تتجلّي في طلبهم قائداً للجيش من نبيّ لهم بعد موسي (ع). وسنري إن ظاهرة الاعتراض في كلي الموضوعين ناشئة من الحالة المرضية النفسية التي يتّسم بها الإسرائيليون والتي تنشأ عادة عن الشكّ والتشكيك في الاُمور وأصبحت حالة مرضية وراثية لبني إسرائيل حيث يتوارثونه جيلاً بعد جيل كما يقدّمه القرآن الكريم إلينا.
1 والآن نستمع معاً إلي الاعتراض الأوّل الّذي حدث في حيات النبي موسي (ع) حيث يقصّه الباري علينا في سورة البقرة من آية (67 73) وبأسلوب الجدل المقيت لدي اليهود المرضي في أنفسهم وفي عقولهم المنحطة، والحكاية تبدأ من قتل أحد اليهود لشخص من الأشخاص ولا يُعرف من هو القاتل، فطلبوا من موسي (ع) أن يعرّف لهم القاتل، فجاء الوحي إلي موسي (ع) إنّ اللّه يأمركم (أيها اليهود) أن تذبحوا بقرة وتضربوا بلحمها جسد المقتول فسيكون حيّاً بإذن اللّه ، وسيخبركم المقتول بعد الإحياء بقاتله، هذا كل ما في الأمر، ولكن روح العناد والجدال المخيّم علي نفوس الإسرائيليين المرضي يمنعهم من الإستسلام للأمر الواقع بهذه السهولة والبساطة بل عتوا عتواً كبيراً ولجّوا في طغيانهم يعمهون.
فالحوار الأول الذي خطاه اليهود انّهم شككوا في نبوّة موسي (ع)، واتّهموه بالجهل (العياذ باللّه ) قائلين له: أتتخذنا هزواً؟ فأجابهم قائلاً : أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين. هذا نموذج من معاملة الإسرائيليين للرسل! فكيف سيكون تعاملهم مع الآخرين.
فطال الجدال مع موسي (ع) وازدادت الشبهات والاشكالات بعدما تيقنوا من كلام موسي (ع) ويمضي الحوار علي النحو التالي :
قالوا : أدعُ لنا ربّك يُبينُ لنا ماهي؟
قال: إنّه يقول بقرة لا فارضٌ (كبيرة السّن) ولا بكرٌ (شابّة) عوانٌ (متوسطة) بين ذلك.
قالوا : ادعُ (أطلب) لنا ربّك يُبيّن لنا ما لونها؟ قال: إنّه يقول إنّها صفراء فاقعٌ لونها تسرُّ الناظرين (جميلة في منظرها تُغري العيون بلونها).
قالوا: ادعُ لنا ربّك يُبيّن لنا ماهي؟ إنّ البقر تشابه علينا وانّا إن شاء اللّه لمهتدون.
قال: إنّه يقول إنّها بقرة لا ذلول تثير الأرض (تكرب الأرض) ولا تسقي الحرث (الزرع) مسلّمة (من العيوب) لاشيةٌ (اللون) فيها.
قالوا: (كلمة الاستسلام جاءت بعد التي واللتيّا) الآن جئت بالحقّ…
فهل كان موسي (ع) قبل هذا باطلاً (العياذ باللّه )، فإنّك لتري كُلّما طرحوا سؤالاً كان اللّه سبحانه يشدّد عليهم أكثر في الإجابة، لأنّ نفوسهم المريضة تتطلب هكذا تشديد، وكلّ هذا يدلّ بوضوح علي حماقة هؤلاء القوم. وإلاّ فلا لهذه الأسئلة المتمرّدة من معني. وهكذا تكون الشخصية المعاصرة للصهاينة من التمرّد في بناء نفوسهم.
والآن نأتي إلي تحليل الاعتراض الثاني الذي حدث وحصل بعد وفاة موسي (ع)، كما تقصّه سورة البقرة أيضاً الآيات (246 251)، وهي تستهل بطلب الإسرائيليين من نبيّ لهم من بعد موسي (ع) أن يُرسل لهم قائداً للقوات حتي يقاتلوا تحت لوائه الظالمين والغاصبين لحقوقهم، فردّ ذلك النبيّ عليهم (لما يعرف منهم حالة الجبن والخوف) بأنه لو فُرض عليكم الجهاد انقلبتم علي أعقابكم تنكصون؟ قالوا له بضرس قاطع : لابدّ لنا من القتال من أجل ما حلّ بنا من الظلم والذلّ والاخراج من الوطن و… و… ، فاستجاب لهم ذلك النبيّ داعياً العليّ بارسال القائد لهم، فقال لهم: إنّ اللّه قد بعث (اختار) لكم طالوت ملكاً وقائداً للقوات. هنا ظهرت الحالة المرضية النفسية الموروثة المختفية في أعماق نفوسهم (الاعتراض والتشكيك) علي أمر اللّه وعدم التسليم والرضوخ له، حيث قالوا: أ نّي يكون له المُلك (الحكومة والقيادة) علينا؟ ونحن أحقّ بالملك منه، ولم يكتفوا بهذا المقدار من التكبّر عليه بل طغوا قائلين له: ولم يؤتَ سعة من المال (والحال نحن الأثرياء) فأجابهم النبيّ ردّاً علي اشكالهم انّ اللّه اصطفاه عليكم (ولم يكن لي الاختيار حتي تعترضوا عليّ)، ثم انّ اللّه زاده بسطة في العلم (العلوم الحربية) والجسم (من ناحية القوة البدنية والسيطرة علي سوح القتال)(14) ونتيجة لهذا الاعتراض اعتراهم الشكّ في ذلك النبيّ، وفي ذلك القائد، فقال لهم ذلك النبيّ : (من أجل ازاحة الشكّ عنه) إنّ آية (دليل) مُلكه (قيادته) أن يأتيكم التابوت (الذي وضع فيه موسي (ع) طفلاً) فيه سكينة (الملابس الحربية لموسي (ع) من ربّكم… هنالك أطمئنت قلوب اليهود المشكوكة، لأنهم كانوا يعرفون قدر ومنزلة هذا التابوت ولما كانت أسلافهم تأخذها معهم إلي المعركة وينزل النصر عليهم في سوح القتال! وهل كل هذا يكفي لاستسلام اليهود؟ كلاّ وألف كلاّ.
يقول الباري: فلمّا فصل (انفصل الجيش) طالوت بالجنود (وعزم علي المسيرة إلي ساحة القتال)، قال: إنّ اللّه مُبتليكم (ممتحنكم) بنهر (ماءٍ) فمن شرب منه (من ذلك النهر) فليس منّي ومن لم يطعمه (لم يشربه) فإنّه منّي، إلاّ من اغترف غرفة بيده (بمقدار كفّ يده)، فجاء دور الإمتحان والإبتلاء للجنود من قبل القائد المحنّك قبل خوض ا لمعركة ولربّما القارئ يحدس الآن فشل اليهود في الإمتحان حيث يقول اللّه (فشربوا منه إلاّ قليلاً) ثّلة قليلة نجحت في هذا الإمتحان والأكثرية السافلة باءت بالفشل الذريع ولم يكن لها القدرة علي المسير ومقابلة العدو كما يقصّه اللّه تعالي: حيث قالوا :
(للقائد) لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده،(15) فإنّ هذا الكلام توارثه بنو إسرائيل عن أجدادهم الذين قالوا لموسي (ع) : «اذهب أنت وربّك فقاتلا انّا ههنا قاعدون » (المائدة / 24)، فإنّك لتلاحظ كيف تتجلّي الحالة المرضية (الشك والترديد) بوضوح في سلوكهم هذا مع طالوت أيضاً، ثمّ إنّ النصّ القرآني يشير إلي الحالات المرضية المصاب بها اليهود (من الجبن والخوف) من خذلانهم للقائد، ونقضهم للعهد الذي عاهدوه مع نبيّهم الذي قال لهم أوّل مرة : هل عسيتم أن كُتب عليكم القتال… وما أحسب اليهود اليوم تخلّت عن هذه الرذائل وعلي رأسهم الصهاينة الطغاة.
«ولا دهشة لمن خُبر اليهود وعرف عمق التواءاتهم وأمراضهم ووساختهم، ولؤمهم وعنادهم… انّهم جبناء مصلحيون… جبناء عندما يستذلهم الجبابرة… طغاة عندما يسيطرون علي غيرهم…»(16).
ثانياً : الجبن والخوف :
إنّ من أهمّ المواقف الرئيسية السلبية لبني إسرائيل في حياة موسي (ع) وبعده، هو ركونهم إلي الخوف الشديد وعدم الخوض في سوح القتال، بمعاذير واهية لا يقبلها العقل والمنطق السليم، من أمثال وقوع النساء أسري بيد الأعداء أو ما تحكيه سورة المائدة أنّ في داخل المدينة قوماً جبارين وما شابه من هذه الأعذار، فلنري ما تحكيه سورة المائدة عن جبن هؤلاء اليهود الآيات (20 26)، حيث يقول العزيز: «وإذ قال موسي لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين » .
فأولاً القصة تذكّر بني إسرائيل بما أنعم اللّه عليهم من فضله وانّ هذه النعم تدور علي محاور ثلاثة، الاُولي : جعل اللّه نسل الأنبياء فيهم، الثانية : جعل الملوك فيهم أيضاً، الثالثة : اعطائهم أشياء ثمينة لم يعطها للآخرين وهذا يعني إنّ اللّه تعالي أتمّ عليهم نعمة الدين والسياسة وما يحتاج إليهما من وسائل في تحقيق المهمتين العبادية والسياسية.
ثانياً : تشير القصة إلي طلب موسي (ع) من بني إسرائيل الخوض في الحرب مع العدوّ حيث يقول البارئ «يا قومِ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه لكم، ولا ترتدوا علي أدباركم فتنقلبوا خاسرين » الآية …
حيث فرض اللّه تعالي الجهاد عليهم، والظاهر أنّ موسي (ع) كان يتنبّأ بادبار هؤلاء القوم، والنكوص علي أعقابهم وذلك حسب قولهم الذي جاء ردّاً علي موسي (ع) قالوا : يا موسي إنّ فيها قوماً جبارين، فأعلنوا ما كانوا يضمرونه من الجبن والخوف في نفوسهم مشيرين إلي عذرٍ واهٍ أنّ الأعداء من الأقوياء فلا طاقة لنا بمحاربتهم، وبهذا المنطق الضعيف ردّوا علي اللّه سبحانه ونبيّه (ع)، بل ولم يكتفوا بذلك بل تجاسروا علي موسي (ع) بأكبر من هذا رادّين عليه بالنفي المؤكد، وهذا يعني عدم الإطاعة للقيادة العسكرية، وثمّ يطالبونه بأسوأ من هذا بالذهاب مع ربّه إلي جبهات القتال. اُقسم عليكم باللّه أين تجدون اُمة مثل هؤلاء اليهود.
ثالثاً : من أجل إزاحة الخوف عن القلوب وعدم الإرتباك من الأعداء الجبارين تشير الآيات القرآنية إلي أن رجلين من المؤمنين الذين أنعم اللّه عليهما، طرحا مخططاً عسكرياً لفتح الأرض المقدسة وهي أن تدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون بإذن اللّه ، ولكن اليهود الذين ترسّخت فيهم روح العناد واللجاج أبوا علي موسي (ع) الخوض في المعركة مهما كلّف الأمر وذلك لعدم توكّلهم علي اللّه القادر.
رابعاً : إلتجاء موسي (ع) إلي الدعاء عليهم وطلب من اللّه أن يُنزل البلاء والنقمة عليهم قائلاً : ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرُق بيننا وبين القوم الفاسقين، حيث عبّر عنهم موسي (ع) بالفسق، وحان موعد استجابة الدعاء وتحقق ما تنبّأ به موسي (ع) من الخسران المبين لبني إسرائيل، حيث يقول البارئ : فإنّها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، وكان هذا لهم جزاءً موفوراً، عاشوا في الذلّ مدة أربعين سنة، ولقد أضاعوا مجدهم الذي أعطاهم اللّه من جعل النبوّة (الدنيا والسياسة) بينهم، فما أعظمها من ذلة وخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشدّ تنكيلاً.
ثالثاً : عبدة العجل :
ومن الصفات السلبية البارزة الأخري عند بني إسرائيل، عدم إيمانهم بالسماء ورسولها، وإنهم يتظاهرون بالإيمان وإذا محّصوا بالبلاء كثر الخرّاصون وقلّ الدّيّانون، وانّ ظاهرة عبادة العجل لدي الإسرائيليين جاءت في القرآن الكريم مكررة ثمانية مرات حيث أشارت سورة البقرة إلي النصف منها والبقية جاءت في سورة النساء وهود حيث عبّر عنهم ب (اتّخاذ)، (والاتّخاذ افتعال ويُعدّي إلي مفعولين ويجري مجري العجل)(17)، يعني انّ بني إسرائيل جعلوا لهم عجلاً ربّاً يُعبد من دون اللّه سبحانه، وانّ كلمة العجل هذه حيث تكررت ست مرات، وهذا التكرار ليدلّ علي التأكيد في التغيير والتحويل عن وجهه الكريم إلي العجل اللعين، ثمّ أ نّهم لم يكتفوا بهذا التغيير الظاهر فقط بل تعدوا إلي أبعد من ذلك فلا يمكن تصوره، ألا وهو إشراب العجل في قلوب الإسرائيليين حيث عبّر بعضهم عنه بقوله (اُشربَ في قلوبهم حُبُّ العجل، وذلك أنّ من عاداتهم إذا أرادوا العبارة عن مخاصرة حبّ أو بغض استعاروا له اسم الشراب، إذ هو أبلغ انجاع في البدن، ولذلك قال الشاعر:
تَغلغلَ حيثُ لم يبلُغْ شرابٌولا حُزنٌ ولم يبلُغْ سرورُ
ولو قيل حبّ العجل لم تكن هذه المبالغة، فإنّ في ذكر العجل تنبيهاً أنّ لفرط شغفهم به صارت صورة العجل في قلوبهم لا تنمحي.(18)
فهذه أوّل مبادرة إسرائيلية يقومون بها بعد انتصارهم علي فرعون وإنها ناشئة عن غباوة ذهن الإسرائيليين، وأتت حكاية العجل هذه في سورة الأعراف حيث يقول تعالي «وجاوزنا ببني إسرائيل البحرَ فأتوا علي قومٍ يعكُفُونَ (محبسون) علي أصنام لهم، قالوا: يا موسي اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ، قال: إنّكم قومٌ تجهلون، إنّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ، قالَ: أَغيرَ اللّه ِ أبغيكُم إلهاً وهوَ فضّلكُم علي العالَمينَ »(الأعراف 138 140).
رابعاً : قساوة القلب :
من أشدّ الصفات سوءاً عند اليهود الصهاينة انتزاع الرحمة من قلوبهم، وانّ هذه الخصلة السيئة يتوارثونها جيلاً بعد جيل حيث يقول اللّه تعالي: «وجعلنا قلوبهم قاسيةً »(المائدة / 13)، فمرّة شاهدتُ من جهاز التلفاز بمناسبة يوم القدس العالمي منظراً تأنُّ له القلوب ولم أنسه طول الدّهر، لقد ألقي بعض الجنود الصهاينة القبض علي شاب من أصحاب ثورة الحجارة فبدأوا يكسرون عظام ساعديه وزنديه ورقبته بضرب مبرح بالحجر لا يهابون أحداً حتي أردوه قتيلاً.
هذا جزء يسير من التعذيب الوحشي للصهاينة وماهو كائن خلف الستار أعظم وأخطر.
وإنّك لتجد اللّه يعبّر عنهم قائلاً «ثمّ قست قلوبكم (أ يّها اليهود) من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوةً، وانّ من الحجارةِ لما تفجرُ منه الأنهارُ، وانّ منها لما يشققُ فيخرجُ منه الماءُ وانّ منها لما يهبطُ من خشية اللّه ِ » (البقرة / 74)، وانّ اللّه ليفضل الحجارة علي قلوب هؤلاء القُساة المردة الكفرة، وذلك لأنّ بعض الأحجار تكون مصدراً للمياه وينبوعاً جارياً له، وانّ البعض الآخر يتساقط ويهبط إلي الأرض خوفاً منه تعالي، ولكن قلوب اليهود الصهاينة أقسي من هذه الأحجار.
«وجاء في الخبر عن النبيّ (ص) انّه قال: لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر اللّه تُقسي القلب، وانّ أبعد الناس من اللّه قاسي القلب»(19).
وأمّا العاقبة :
«فلهم اللعنةُ في الدّنيا وبئس المصير في الآخرة».
لعنة اللّه :
لعن اللّه سبحانه وتعالي أعدائه جميعاً وعلي رأسهم الشيطان الرجيم وحزبه الصهاينة اليهود، وذلك لما تجلّت فيهم من خصال سيئة شتّي :
1 منها الكفر: حيث يقول تعالي «لُعن الّذينَ كفروا من بني إسرائيلَ علي لسان داودَ » (المائدة / 78)، أو يقول في موضع آخر «فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرتْ طائفة » (الصّف / 14)، وما كان كفرهم هذا إلاّ باتّخاذهم العجل ربّاً لهم.
2 ومنها انّهم اتّهموا اللّه سبحانه وتعالي بغُلّ اليدين حيث يقول اللّه :
«قالت اليهودُ يدُ اللّه مغلولة… لعنوا » (المائدة / 64).
3 ومنه التعدّي والتجاوز لأوامر اللّه سبحانه وتعالي كما يقول «كما لعنّا أصحاب السبت » (النساء / 45).
4 ومنها شرّ العاقبة لليهود حيث يقول العزيز «هل اُنبّئكُمْ بشرٍّ من ذلك مَثُوبةً عندَ اللّه ِ مَن لَعَنَهُ اللّه ُ وغَضِبَ عليهِ… » (المائدة / 60).
5 ومنها كتمانهم الحقّ حيث يشير البارئ بقوله «إنَّ الَّذينَ يكتمونَ مَا أنزلنا من البيّناتِ والهدي… يلعنهم اللّه ُ » (البقرة / 159).
6 ومنها نقض العهد، حيث يقول تعالي «فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقَهُمْ لعنّاهُمْ » (المائدة / 13)، وإلي آيات وآيات أخري، وما سيكون نتيجة لعن اللّه لهم أ لاّ يجدوا لهم ناصراً ينصرهم وذلك قوله تعالي : «اولئكَ الّذينَ لعنهُمْ اللّه ُ ومن يلعنُ اللّه فلن تجد له نصيراً » (العنكبوت / 25)، وكذلك لهم الخسران في الدارين.
الإنتقام الإلهي :
لقد منّ اللّه كثيراً علي الإسرائيليين سوءاً في حيات النبيّ موسي (ع) أو بعدها، حيث أنقذهم من الطاغية فرعون الذي كان يُقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم وأذلّهم أشدّ الذلّ (بحيث ترسّخت فيهم طبيعياً) ثمّ اللّه تعالي نجّاهم من استعباد فرعون قائلاً «يا بني إسرائيل قد انجيناكم من عدوّكم » (طه / 80)، أو يقول في محل آخر «ولقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين » (الدّخان / 30)، ولكن سرعان ما نسوا هذه الفضائل والكرامات من جانب ربّهم العزيز، فبدأو بالظلم والعدوان وخيانة اللّه ورسوله وكتابه، حيث أنكروا نعم اللّه عليهم وطغوا وبغوا، فما كان من اللّه سبحانه إلاّ أن ينتقم منهم ومسخهم قردة خاسئين أذلاّء إلي يوم الدّين. وهل إنتهي كلّ شيء كلاّ، بل توالي العقاب عليهم غضباً من الربّ، حيث الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم والقحط والغرق في اليم و…
كما قال عزّ من قائل «فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدّم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين… فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين » (الأعراف / 133 136).
هذا وقد عاتب اللّه اليهود في القرآن، «وذلك في طيّ نيف ومائة آية يذكر فيها نعمه التي أفاضها عليهم وكراماته التي حباهم بها، وما قابلوها من الكفر والعصيان ونقض الميثاق والتمرّد والجحود… ويذكرهم أيضاً معاصي ارتكبوها وجرائم اكتسبوها وآثاماً كسبتها قلوبهم علي نهي من كتابهم، وردع صريح من عقولهم لقساوة قلوبهم وشقاوة نفوسهم وضلال سعيهم»(20).
هذا وإنّ للبحث صلة، نرجو من العليّ القدير أن يوفقنا إلي إكماله مستقبلاً وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
الحمد للّه الّذي أنزل القرآن فيه آيات بيّنات في حقّ أولاد إسرائيل (يعقوب (ع))، ثمّ الصلاة والسلام علي محمد وآله الأطهار الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
إذا أردنا التعرّف علي صفات الإسرائيليين فعلينا بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يشوبه شائب، يتلو علينا من نبأ موسي وفرعون بالحقّ، وكذلك يقصّ علينا أحسن القصص التي تكشف لنا الشخصية اليهودية ماضيها وحاضرها ومستقبلها… فإذا اطّلعنا علي ذات اليهود عرفنا ذاتية الصهاينة المريضة والغير المستوية، ولا سبيل أوثق من القرآن الكريم في هذا المجال.
لقد شمّرت عن ساعد الجدّ، وبحثت في القرآن المجيد فعثرت علي ما يشفي الغليل ووجدت المطلوب فدوّنت القصاصات، وطالعت الكتب والمصادر، فوجدت الصهاينة يمتلكون أخسّ وأرذل الصفات بين شعوب العالم، فأحببت أن أجمعها في مقالة راجياً اللّه العزيز أن يتقبّله منّا بأحسن القبول.
ثمّ إنني وجدت هذه الصفات قد تناقلتها الأبناء عن الآباء جدّاً عن جدّ، وترسّخت فيهم وراثياً، بحيث أن صهاينة اليوم ليس لهم حول ولا قوة في العدول والتخلّي عنها.
وتدور هذه الرذائل علي محورين :
الأول: المحور المادّي ويتجلّي في أكل الربا والفساد في الأرض، وكنزالأموال، وتحريف كلام الجبّار والافتراء عليه، وقتل الأنبياء بغير حقّ ومعاداة أهل الإيمان…
الثاني : المحور الروحي والنفسي، ويتجلّي في حيازتهم علي الصفات الرذيلة من الحرص والطمع والجبن والخوف والذلّة والفرار من الزحف، وقساوة القلب وعدم الوفاء بالعهد، والعناد وعدم التسليم لربّ العباد.
عبدة العجل، أصحاب الشكّ والاعتراضات في الأمور، بغاة مستكبرون، منكرون لنعم السماء، المدّعون بأنهم ليسوا من أصحاب النار، وانّهم شعب اللّه المختار…
العاقبة انّ شعباً مثل الصهاينة لابدّ وأن تكون عاقبتهم شؤماً وسوءاً ونري أنّ القرآن الكريم يبيّن لنا كيفية انتقام الجليل من هؤلاء الشرذمة بأبشع صورة، حيث ذلّهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة.
هذا ما أردنا أن نفصّله في مقالتنا هذه ولا ندري هل يقع موضع الرضا لدي القرّاء أم لا؟ ومن اللّه التوفيق.
نص المقالة :
«المحور الأول: البعد المادّيّ»
أشرنا في خلاصة المقالة أنّ الصفات التي ظهرت في الشخصية الصهيونية المريضة تحوم علي محورين أساسيين (مادي وروحي)، ونبدأ بالبعد المادّيّ :
أولاً : الافتراء والكذب علي اللّه :
لما كانت الشخصية الصهيونية مريضة، إذن فهي مصدر أمراض نفيسة شتّي، ثمّ انّ هذه الأمراض وجدت لها خير مرتع عند اليهود فبدأت افتراءاتهم وتُهمهم تتجه نحو الباري المصوّر، حيث يصفهم قائلاً «وقالت اليهودُ يدُ اللّه ِ مغلولةٌ غُلَّتْ أيديهِمْ ولُعِنُوا بِما قالوا » (64 / المائدة)، فإنّك لتري عظيماً من القول وزوراً، تمجّه أفواه الظلمة من اليهود، فهذه النظرة المريضة في منطقهم للّه سبحانه، فما بالك بالآخرين الّذين هم دونه تعالي.
وإنّهم لمّا لم يتورّعوا عن الكذب والافتراء علي الساحة الربوبية، فكيف بنا وبالآخرين، وكذلك يقصّ علينا القرآن العزيز كيفية تجرأهم علي الافتراء في أحكام اللّه ، حيث يخاطبهم الكتاب الكريم قائلاً: «وَلا تَقولوا لِمَا تَصِفُ ألسِنَتُكُم الكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ، لِتَفْتَرُوا عَلَي اللّه ِ الكَذِبَ » (116 النحل). ثم إنّ جرأتهم أصبحت أكبر شأناً من هذا، فأخذوا البيع في كلام اللّه كما يعبّر عنهم القرآن قائلاً «فَلا تَشْتَرُوا بِآياتي ثَمَناً قَليلاً » (البقرة / 41)، (وروي عن أبي جعفر (ع) في هذه الآية، قال: كان حيّ ابن أخطب وكعب بن الأشرف وآخرون من اليهود لهم مأكلة علي اليهود في كلّ سنة، فكرهوا بطلانها بأمر النبيّ (ص)، فحرّفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الذي اُريد في الآية)(1)، فهؤلاء القوم أصبحوا تجّاراً يتبادلون كلام اللّه كسلعٍ تجارية فيما بينهم وقد حذّر اللّه تعالي من مغبة الإفتراء قائلاً :
1 بعدم الفلاح للذين يتعاطونها حيث يقول «الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَي اللّه ِ الْكَذِبَ لا يَفْلَحُونَ » (يونس / 69).
2 يصفهم بالظلم «ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افتَرَي عَلَي اللّه ِ كَذِبَاً » (21 / الأنعام) فلا تري أظلم من اليهود اليوم علي وجه الأرض.
3 وأخيراً وسمهم بالكفر قائلاً «الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَي اللّه ِ الكَذِبَ » (103 / المائدة).
ثانياً : تحريف الكلام :
ونعني به تغيير الكلمة عن معناها الأصلي، وهي من الصفات المقيتة والسيئة التي يتصف بها اليهود في ماضيهم وحاضرهم وأصبحت مورثة عندهم جيلاً بعد جيل، ولا يخافون أحداً ولا يرهبون الضمير والوجدان كما صرّح اللّه تعالي في بعضهم قائلاً «وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللّه ِ ثُمَّ يُحرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُون » (البقرة / 75).
يقول العلاّمة الطبرسي في تفسيره: «وإنّما أراد اللّه سبحانه بالآية أنّ هؤلاء اليهود الّذين كانوا علي عهد النّبيّ (ص) إن لم يؤمنوا به وكذّبوه وجحدوا نبوّته، فلهم بآبائهم وأسلافهم الّذين كانوا في زمان موسي (ع) أُسوة، إذ جروا علي طريقتهم في الجحد والعناد»(2).
واختلفت الأقوال في هذا (الفريق منهم)، قيل إنّهم علماء اليهود وقيل إنّهم السبعون رجلاً الّذين اختارهم موسي (ع).
وإنّك تجد القرآن العظيم يشير إلي هذه الرذيلة في مواضع مختلفة، منها ما جاء في سورة النساء «مِنَ الَّذِيْنَ هَادُوا يُحرّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » (النساء / 46)، أي يبدّلون كلمات اللّه وأحكامه عن مواضعها، «وقال مجاهد: يعني بالكلم: التوراة وذلك أنهم كتموا ما في التوراة من صفة النبيّ (ص) »(3).
وما أن تنتهي سورة النساء إلاّ وتتعرّض سورة المائدة إلي هذه الصفة الرذيلة ثانية لتدلّ علي عظم المصيبة والبلاء الذي استند اليهود إليه في حياتهم وتذكرنا بأنهم كانوا يحرّفون الكلام، والتحريف هذا كان يتم بأحد أمرين: امّا بسوء التأويل، وامّا بالتغيير والتبديل.
وإنّك لتري القرآن الكريم يصرّ علي أنهم «محرّفون لكلام اللّه سبحانه وتعالي بقوله «يُحَرِّفُونَ الكَلِمُ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ » (المائدة : 41) أي من بعد أن وضعه اللّه مواضعه، أي فرض فروضه وأحلّ حلاله وحرّم حرامه»(4).
فإنّ هذه الشواهد الحيّة القرآنية والحكايات التي نقلتها التفاسير الإسلامية ترشدنا إلي القول القاطع بأنّ اليهود من أصحاب التحريف الذي تجذّر فيهم.
ثالثاً : قتل الأنبياء :
ما من صنيعة سيئة إلاّ وارتكبها الصهاينة، وممّا اقترفه هؤلاء القوم (القتل) الذي يعدّ من أعظم الذنوب عند اللّه ، حيث يقول «مَنْ قَتَلَ نَفساً بغيرِ نَفْسٍ أو فَسادٍ في الأَرضِ فكأ نَّمَا قتلَ النَّاسَ جَميعاً » (المائدة / 32)، وسيجزي نار جهنّم خالداً فيها، وما القتل إلاّ من الأمور المنكرة، التي حرّمها اللّه ، ثمّ تعاظموا فيها شيئاً فشياً حتي توصّلوا إلي قتل الأنبياء (ع) بغير حقّ.
هذا ما نراه في القرآن الكريم حيث يصرّح عنهم في مواطن عديدة في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، حيث يعبّر عنهم قائلاً انّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقّ ظلماً وعدواناً، أو يخاطبهم علي لسان الرسول (ص)، قل: «فَلِمَ تقتلونَ أنبياءَ اللّه ِ بغيرِ حقٍّ » (البقرة / 91) والحال هو محرّم عليكم، كما جاءكم في الكتاب.
وجاء في تفسير قوله تعالي «وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بغيرِ حقٍّ ويقتلُونَ الَّذِينَ يأمُرونَ بالقسطِ من النّاسِ » (آل عمران / 21)، حديثاً تقشعر منه الجلود «حيث روي عن أبي عبيدة ابن أبي الجرّاح، قال قلت يا رسول اللّه ، أيّ النّاس أشدّ عذاباً يوم القيامة؟ فقال رجلاً قتل نبيّاً أو رجلاً أمر بمعروف ونهي عن منكر ثمّ قرأ «ويقتلون… الآية » . ثم قال (ص): يا أبا عبيدة، قتل بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيّاً من أوّل النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل وإثنا عشر رجلاً من عُبّاد بني إسرائيل فأمروا مَن قتلهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فقُتلوا جميعاً من آخر النهار في ذلك اليوم»(5).

ويبدو من ظاهر كلام اللّه سبحانه وتعالي في قوله (وقتلهم الانبياء) أنه رضي في جماعة منهم بفعل القاتلين «وإن الرضا بفعل القبيح يجري مجراه في عظم الجرم، لأن اليهود الذين وصفوا بقتل الأنبياء لم يتولّوا ذلك بأنفسهم وإنما ذُمّوا بذلك لأنهم بمنزلة من تولاّه في عظم الإثم»(6).
علماً بأنّ عملية القتل كانت تتم بعد أن تكمل الحجة عليهم، أي أصبحوا عارفين بحقّهم. هذا وانّ اللّه سبحانه وتعالي حذّر من مغبّة القتل بقوله «لا تعتدوا إنَّ اللّه َ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ » (المائدة / 78)، وما جائهم هذا الشرُّ (قتل الأنبياء) إلاّ أ نّهم كانوا يعصون ويعتدون ويتجاوزون علي حقوق الآخرين، وستكون عاقبة أمرهم أن «أَ لْقِيَا في جهنَّمَ كلَّ كفّارٍ عنيدٍ منّاعٍ للخيرِ معتدٍ مُريب » (ق / 25).
رابعاً : أعداء أهل الإيمان :
نهي اللّه سبحانه وتعالي عن السير علي خطوات الشيطان، لأ نّه من أكبر أعداء الإنسان، ولا غبار علي هذا الكلام، حيث يصفه اللّه في مواطن عديدة بقوله «إنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبِينٌ » (البقرة / 168)، وكذلك يأمرنا بأن لا نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا العدوّ الظاهر، بل علينا مقاومته ومحاربته ونتّخذه عدوّاً لنا، وهو أيضاً من جانب آخر بؤرة الفساد للمجتمع الإنساني حيث عبّر اللّه عنه قائلاً «إنّما يريدُ الشَّيطانُ أن يوقِعَ بينكُم العداوةَ والبغضاءَ » (المائدة / 91)، ومن المعروف انّ للشيطان أتباع وأولياء بعضهم من الناس والآخر من الجنّ، ويعدُّ اليهود من هؤلاء التّابعين له حيث عبّر عنهم القرآن بقوله «لتجدنَّ أشَدَّ النَّاسَ عَداوةً للّذينَ آمنوا اليهودَ » (المائدة / 82)، فهم من أشدّ النّاس عداوة لأهل الإيمان كما هو شأن الشيطان الرجيم، وكذلك أنهم من أشدّ الناس عداوة لرسول اللّه (ص) وما عداوتهم إلاّ من الحسد.
فعلي المسلمين في العالم أن يتخذوا الصهاينة أعداء لهم، وأ لاّ يتغافلوا عنهم لحظة، فإنّهم لبالمرصاد لأهل الإيمان.
خامساً : الإفساد في الأرض :
وممّا يتصف به الصهاينة من السوء والفحشاء هو الإفساد في الأرض، ومن المعلوم إنّ اللّه سبحانه وتعالي نهي عن ذلك قائلاً «ولا تَعِثُوا في الأَرضِ مُفْسِدِيْنَ » (البقرة / 60)، وله كلام يشابه ذلك في مواطن أخري من القرآن المجيد، وما يكون الإفساد في الأرض إلاّ من شيمة الملوك والطغاة الذين صرّح عنهم القرآن قائلاً «ان الملوكَ إذا دَخَلوا قَريةً أفسَدوها » (النّمل / 34).
واعلم انّ اللّه تعالي لا يحب الفساد ولا يصلح أمر المفسدين وانّه تعالي حذّر من مغبّة ذلك بقوله «وانظروا كيفَ كانَ عاقبةُ المفسدينَ » (الأعراف / 86) وثم أمر المؤمنين أن يدعوا اللّه بالنصرة عليهم.
هذا وانّ القرآن الكريم يصرّح علناً بإفساد اليهود في الأرض مرتين حيث يقول «وقضينا إلي بني اسرائيلَ في الكتابِ (التوراة) لَتُفْسِدُنَّ في الأَرضِ مَرَّتَيْنِ ولتعلُنَّ عُلُوّاً كَبيراً » (الإسراء / 4) حيث أشارت التواريخ والتفاسير مفصلاً إلي هذا الفساد الذي تجلّي في ظلمهم وأخذهم الأموال وقتلهم الأنبياء وسفكهم الدماء، «فقد سلّط اللّه عليهم سابور ذا الأكتاف ملكاً من ملوك فارس في قتل زكريا، وسلّط عليهم في قتل يحيي بخت نصر وهو رجل خرج من بابل»(7)، «وقيل كان بين فساد الأول والثاني مائتا سنة وعشرة سنين»(8).
هذا فليعلم صهاينة اليوم انّ عاقبة فسادهم في الأرض أن يقتّلوا وينفوا منها كما فُعِلَ بأشياعهم من قبل.
سادساً : تعاطي الربا :
لقد حرّم اللّه تعالي الرّبا في جميع كتبه السماوية ومنها التوراة، وها هو القرآن الشريف يحدّثنا عن التحريم لدي اليهود قائلاً «وأخْذِهِمْ (اليهود) الرّبا وَقَدْ نُهوا عَنْهُ (حُرّم عليهم) » (النساء / 161)، وهو أيضاً يحرّمه علي المسلمين قائلاً «وأحلّ اللّه ُ البيعَ وحرَّمَ الرّبا » (البقرة / 275) وانّه تعالي شدّد في تحريمه قائلاً «لا تأكُلوا الرّبا أضعافاً مضاعفةً » (آل عمران / 130)، أو كما يقول «يُمْحِقُ (ينقص) اللّه ُ الرِّبا يُربي (يزيد وينمي) الصَّدَقاتِ » (البقرة / 276)، فالقرآن لما أغلق باب الرّبا فتح وأحلّ باب البيع والصدقات، وجعله محلاً لتزايد الثروات، علي خلاف ما يتصوّره الجهلاء انّ الزيادة في الربا المحرّم.
واعلم إنّ الربا هو «زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل أو زيادة في البضاعة»(9).
ثمّ إنّ القرآن الكريم يصوّر الذين يتعاطون الربا بأبشع صورة حيث يقول «الَّذينَ يأكُلُونَ الرّبا لا يقومونَ إلاّ كَما يقومُ الّذي يَتَخَبَّطُهُ (بضرب علي غير استواء) الشّيطانُ من المَسِّ (المجنون) » (البقرة / 375)، ولكن اليهود طاب واحلَولي لهم أكل الحرام وفعل المحرمات.
هذا وإنّ أحاديث كثيرة جاءت في ذمّ الربا نذكر منها «ما روي عن الإمام عليّ (ع) انّه قال: لعن رسول اللّه (ص) في الرّبا خمسة، آكله وموكله وشاهديه وكاتبه. وعنه (ع) قال: إذا أراد اللّه بقرية هلاكاً ظهر فيهم الرّبا. وعنه (ع) قال: للرّبا سبعون باباً أهونها عند اللّه الذي ينكح أمّه»(10).
سابعاً : الثروة المادية عند اليهود :
من المعروف عن الإسرائيليين انّهم ماديين بمعني الكلمة، ونري ذلك بوضوح في ماضيهم (قصة قارون) وفي حاضرهم (المشهود في أوروبا وخاصة في أمريكا)، ولقد أشارت الآيات القرآنية إلي أربعة مواقف مختلفة من قبل هذا المادي العنيد (قارون اللعين) اتّجاه ربّ موسي وقومه ونفسه الشريفة (ع). وقارون يُعدّ من أغني الأغنياء في عصره، فغناه الماديّ هذا جعله أن يكون باغيّاً فرحاً مغرواً مفسداً ومستكبراً في الأرض.
من هو قارون ؟
قال اللّه تعالي : «إنَّ قارونَ كانَ مِنْ قَومِ مُوسَي، فَبَغَي عَلَيْهم وآتيناهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بالعُصْبَةِ… » (القصص / 76)، فاسمه قارون وهو من الإسرائيليين وله قرابة معه (ع)، قيل كان ابن خالته وقيل كان ابن عم موسي لحّاً وقيل كان موسي ابن أخيه وقارون عمّه، حيث نافق كما نافق السامريّ من قبل، وإنّ اللّه تعالي تفضّل عليه بالكرم والجود حيث أغدقت عليه السماء بنعمها، قال الكلبيّ «وحُكي أنّ موسي (ع) علّم قارون الثلث من صنعة الكيمياء، وعلّم يوشع الثُلث منها، وعلّم ابن هارون الثلث منها، فخدعهما قارون حتي علم ما عندهما وعمل بالكيمياء فكثرت أمواله»(11).
وخرج يوماً في موكبه الملوكيّ «في أربعة آلاف دابّة، عليها أربعة آلاف فارس عليهم وعلي دوابهم الأرجوان»(12)، فبغي وطغي ومارس السلوك الشاذ حيال ربّ العباد علي ما أنعم عليه، واغترّ بنفسه واسند ظهره إلي علمه دون اللّه تعالي، فحلّت به الندامة وباء بالفشل في الدنيا والقيامة، حيث يقول تعالي «فخسفنا بهِ وبدارهِ الأرضَ وما كانَ من فئةٍ ينصرونه من دون اللّه وما كانَ من المنتصرين » (القصص / 80).
ثامناً : ادّعاءات فارغة :
إنّ الشخصية المريضة الإسرائيلية مصابة من جميع الجهات فهي هي، التبختر والتكبّر يظهر علي ألسنتهم فتكشف لنا حالتهم المريضة (ألم يقولوا ذات يوم إنّ النار لن تمسّنا (يوم القيامة) إلاّ أيّاماً معدودات؟ ألم يقولوا (كبراً ونخوة) إن سواهم ليس علي شيء؟ ألم يزعموا انّهم : الشعب المختار.(13)
وأمّا المحور الثاني الذي يحوم علي المحور الروحي والنفسي فيشمل الموضوعات التالية :
أولاً : الاعتراضات :
نشيرُ هنا إلي ما ذكره القرآن الكريم من الاعتراضات، وهي علي قسمين، الاُولي تتجلي في مسألة ذبح البقرة والتي حدثت في حياة موسي (ع) والثانية تتجلّي في طلبهم قائداً للجيش من نبيّ لهم بعد موسي (ع). وسنري إن ظاهرة الاعتراض في كلي الموضوعين ناشئة من الحالة المرضية النفسية التي يتّسم بها الإسرائيليون والتي تنشأ عادة عن الشكّ والتشكيك في الاُمور وأصبحت حالة مرضية وراثية لبني إسرائيل حيث يتوارثونه جيلاً بعد جيل كما يقدّمه القرآن الكريم إلينا.
1 والآن نستمع معاً إلي الاعتراض الأوّل الّذي حدث في حيات النبي موسي (ع) حيث يقصّه الباري علينا في سورة البقرة من آية (67 73) وبأسلوب الجدل المقيت لدي اليهود المرضي في أنفسهم وفي عقولهم المنحطة، والحكاية تبدأ من قتل أحد اليهود لشخص من الأشخاص ولا يُعرف من هو القاتل، فطلبوا من موسي (ع) أن يعرّف لهم القاتل، فجاء الوحي إلي موسي (ع) إنّ اللّه يأمركم (أيها اليهود) أن تذبحوا بقرة وتضربوا بلحمها جسد المقتول فسيكون حيّاً بإذن اللّه ، وسيخبركم المقتول بعد الإحياء بقاتله، هذا كل ما في الأمر، ولكن روح العناد والجدال المخيّم علي نفوس الإسرائيليين المرضي يمنعهم من الإستسلام للأمر الواقع بهذه السهولة والبساطة بل عتوا عتواً كبيراً ولجّوا في طغيانهم يعمهون.
فالحوار الأول الذي خطاه اليهود انّهم شككوا في نبوّة موسي (ع)، واتّهموه بالجهل (العياذ باللّه ) قائلين له: أتتخذنا هزواً؟ فأجابهم قائلاً : أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين. هذا نموذج من معاملة الإسرائيليين للرسل! فكيف سيكون تعاملهم مع الآخرين.
فطال الجدال مع موسي (ع) وازدادت الشبهات والاشكالات بعدما تيقنوا من كلام موسي (ع) ويمضي الحوار علي النحو التالي :
قالوا : أدعُ لنا ربّك يُبينُ لنا ماهي؟
قال: إنّه يقول بقرة لا فارضٌ (كبيرة السّن) ولا بكرٌ (شابّة) عوانٌ (متوسطة) بين ذلك.
قالوا : ادعُ (أطلب) لنا ربّك يُبيّن لنا ما لونها؟ قال: إنّه يقول إنّها صفراء فاقعٌ لونها تسرُّ الناظرين (جميلة في منظرها تُغري العيون بلونها).
قالوا: ادعُ لنا ربّك يُبيّن لنا ماهي؟ إنّ البقر تشابه علينا وانّا إن شاء اللّه لمهتدون.
قال: إنّه يقول إنّها بقرة لا ذلول تثير الأرض (تكرب الأرض) ولا تسقي الحرث (الزرع) مسلّمة (من العيوب) لاشيةٌ (اللون) فيها.
قالوا: (كلمة الاستسلام جاءت بعد التي واللتيّا) الآن جئت بالحقّ…
فهل كان موسي (ع) قبل هذا باطلاً (العياذ باللّه )، فإنّك لتري كُلّما طرحوا سؤالاً كان اللّه سبحانه يشدّد عليهم أكثر في الإجابة، لأنّ نفوسهم المريضة تتطلب هكذا تشديد، وكلّ هذا يدلّ بوضوح علي حماقة هؤلاء القوم. وإلاّ فلا لهذه الأسئلة المتمرّدة من معني. وهكذا تكون الشخصية المعاصرة للصهاينة من التمرّد في بناء نفوسهم.
والآن نأتي إلي تحليل الاعتراض الثاني الذي حدث وحصل بعد وفاة موسي (ع)، كما تقصّه سورة البقرة أيضاً الآيات (246 251)، وهي تستهل بطلب الإسرائيليين من نبيّ لهم من بعد موسي (ع) أن يُرسل لهم قائداً للقوات حتي يقاتلوا تحت لوائه الظالمين والغاصبين لحقوقهم، فردّ ذلك النبيّ عليهم (لما يعرف منهم حالة الجبن والخوف) بأنه لو فُرض عليكم الجهاد انقلبتم علي أعقابكم تنكصون؟ قالوا له بضرس قاطع : لابدّ لنا من القتال من أجل ما حلّ بنا من الظلم والذلّ والاخراج من الوطن و… و… ، فاستجاب لهم ذلك النبيّ داعياً العليّ بارسال القائد لهم، فقال لهم: إنّ اللّه قد بعث (اختار) لكم طالوت ملكاً وقائداً للقوات. هنا ظهرت الحالة المرضية النفسية الموروثة المختفية في أعماق نفوسهم (الاعتراض والتشكيك) علي أمر اللّه وعدم التسليم والرضوخ له، حيث قالوا: أ نّي يكون له المُلك (الحكومة والقيادة) علينا؟ ونحن أحقّ بالملك منه، ولم يكتفوا بهذا المقدار من التكبّر عليه بل طغوا قائلين له: ولم يؤتَ سعة من المال (والحال نحن الأثرياء) فأجابهم النبيّ ردّاً علي اشكالهم انّ اللّه اصطفاه عليكم (ولم يكن لي الاختيار حتي تعترضوا عليّ)، ثم انّ اللّه زاده بسطة في العلم (العلوم الحربية) والجسم (من ناحية القوة البدنية والسيطرة علي سوح القتال)(14) ونتيجة لهذا الاعتراض اعتراهم الشكّ في ذلك النبيّ، وفي ذلك القائد، فقال لهم ذلك النبيّ : (من أجل ازاحة الشكّ عنه) إنّ آية (دليل) مُلكه (قيادته) أن يأتيكم التابوت (الذي وضع فيه موسي (ع) طفلاً) فيه سكينة (الملابس الحربية لموسي (ع) من ربّكم… هنالك أطمئنت قلوب اليهود المشكوكة، لأنهم كانوا يعرفون قدر ومنزلة هذا التابوت ولما كانت أسلافهم تأخذها معهم إلي المعركة وينزل النصر عليهم في سوح القتال! وهل كل هذا يكفي لاستسلام اليهود؟ كلاّ وألف كلاّ.
يقول الباري: فلمّا فصل (انفصل الجيش) طالوت بالجنود (وعزم علي المسيرة إلي ساحة القتال)، قال: إنّ اللّه مُبتليكم (ممتحنكم) بنهر (ماءٍ) فمن شرب منه (من ذلك النهر) فليس منّي ومن لم يطعمه (لم يشربه) فإنّه منّي، إلاّ من اغترف غرفة بيده (بمقدار كفّ يده)، فجاء دور الإمتحان والإبتلاء للجنود من قبل القائد المحنّك قبل خوض ا لمعركة ولربّما القارئ يحدس الآن فشل اليهود في الإمتحان حيث يقول اللّه (فشربوا منه إلاّ قليلاً) ثّلة قليلة نجحت في هذا الإمتحان والأكثرية السافلة باءت بالفشل الذريع ولم يكن لها القدرة علي المسير ومقابلة العدو كما يقصّه اللّه تعالي: حيث قالوا :
(للقائد) لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده،(15) فإنّ هذا الكلام توارثه بنو إسرائيل عن أجدادهم الذين قالوا لموسي (ع) : «اذهب أنت وربّك فقاتلا انّا ههنا قاعدون » (المائدة / 24)، فإنّك لتلاحظ كيف تتجلّي الحالة المرضية (الشك والترديد) بوضوح في سلوكهم هذا مع طالوت أيضاً، ثمّ إنّ النصّ القرآني يشير إلي الحالات المرضية المصاب بها اليهود (من الجبن والخوف) من خذلانهم للقائد، ونقضهم للعهد الذي عاهدوه مع نبيّهم الذي قال لهم أوّل مرة : هل عسيتم أن كُتب عليكم القتال… وما أحسب اليهود اليوم تخلّت عن هذه الرذائل وعلي رأسهم الصهاينة الطغاة.
«ولا دهشة لمن خُبر اليهود وعرف عمق التواءاتهم وأمراضهم ووساختهم، ولؤمهم وعنادهم… انّهم جبناء مصلحيون… جبناء عندما يستذلهم الجبابرة… طغاة عندما يسيطرون علي غيرهم…»(16).
ثانياً : الجبن والخوف :
إنّ من أهمّ المواقف الرئيسية السلبية لبني إسرائيل في حياة موسي (ع) وبعده، هو ركونهم إلي الخوف الشديد وعدم الخوض في سوح القتال، بمعاذير واهية لا يقبلها العقل والمنطق السليم، من أمثال وقوع النساء أسري بيد الأعداء أو ما تحكيه سورة المائدة أنّ في داخل المدينة قوماً جبارين وما شابه من هذه الأعذار، فلنري ما تحكيه سورة المائدة عن جبن هؤلاء اليهود الآيات (20 26)، حيث يقول العزيز: «وإذ قال موسي لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين » .
فأولاً القصة تذكّر بني إسرائيل بما أنعم اللّه عليهم من فضله وانّ هذه النعم تدور علي محاور ثلاثة، الاُولي : جعل اللّه نسل الأنبياء فيهم، الثانية : جعل الملوك فيهم أيضاً، الثالثة : اعطائهم أشياء ثمينة لم يعطها للآخرين وهذا يعني إنّ اللّه تعالي أتمّ عليهم نعمة الدين والسياسة وما يحتاج إليهما من وسائل في تحقيق المهمتين العبادية والسياسية.
ثانياً : تشير القصة إلي طلب موسي (ع) من بني إسرائيل الخوض في الحرب مع العدوّ حيث يقول البارئ «يا قومِ ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب اللّه لكم، ولا ترتدوا علي أدباركم فتنقلبوا خاسرين » الآية …
حيث فرض اللّه تعالي الجهاد عليهم، والظاهر أنّ موسي (ع) كان يتنبّأ بادبار هؤلاء القوم، والنكوص علي أعقابهم وذلك حسب قولهم الذي جاء ردّاً علي موسي (ع) قالوا : يا موسي إنّ فيها قوماً جبارين، فأعلنوا ما كانوا يضمرونه من الجبن والخوف في نفوسهم مشيرين إلي عذرٍ واهٍ أنّ الأعداء من الأقوياء فلا طاقة لنا بمحاربتهم، وبهذا المنطق الضعيف ردّوا علي اللّه سبحانه ونبيّه (ع)، بل ولم يكتفوا بذلك بل تجاسروا علي موسي (ع) بأكبر من هذا رادّين عليه بالنفي المؤكد، وهذا يعني عدم الإطاعة للقيادة العسكرية، وثمّ يطالبونه بأسوأ من هذا بالذهاب مع ربّه إلي جبهات القتال. اُقسم عليكم باللّه أين تجدون اُمة مثل هؤلاء اليهود.
ثالثاً : من أجل إزاحة الخوف عن القلوب وعدم الإرتباك من الأعداء الجبارين تشير الآيات القرآنية إلي أن رجلين من المؤمنين الذين أنعم اللّه عليهما، طرحا مخططاً عسكرياً لفتح الأرض المقدسة وهي أن تدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنّكم غالبون بإذن اللّه ، ولكن اليهود الذين ترسّخت فيهم روح العناد واللجاج أبوا علي موسي (ع) الخوض في المعركة مهما كلّف الأمر وذلك لعدم توكّلهم علي اللّه القادر.
رابعاً : إلتجاء موسي (ع) إلي الدعاء عليهم وطلب من اللّه أن يُنزل البلاء والنقمة عليهم قائلاً : ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرُق بيننا وبين القوم الفاسقين، حيث عبّر عنهم موسي (ع) بالفسق، وحان موعد استجابة الدعاء وتحقق ما تنبّأ به موسي (ع) من الخسران المبين لبني إسرائيل، حيث يقول البارئ : فإنّها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، وكان هذا لهم جزاءً موفوراً، عاشوا في الذلّ مدة أربعين سنة، ولقد أضاعوا مجدهم الذي أعطاهم اللّه من جعل النبوّة (الدنيا والسياسة) بينهم، فما أعظمها من ذلة وخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشدّ تنكيلاً.
ثالثاً : عبدة العجل :
ومن الصفات السلبية البارزة الأخري عند بني إسرائيل، عدم إيمانهم بالسماء ورسولها، وإنهم يتظاهرون بالإيمان وإذا محّصوا بالبلاء كثر الخرّاصون وقلّ الدّيّانون، وانّ ظاهرة عبادة العجل لدي الإسرائيليين جاءت في القرآن الكريم مكررة ثمانية مرات حيث أشارت سورة البقرة إلي النصف منها والبقية جاءت في سورة النساء وهود حيث عبّر عنهم ب (اتّخاذ)، (والاتّخاذ افتعال ويُعدّي إلي مفعولين ويجري مجري العجل)(17)، يعني انّ بني إسرائيل جعلوا لهم عجلاً ربّاً يُعبد من دون اللّه سبحانه، وانّ كلمة العجل هذه حيث تكررت ست مرات، وهذا التكرار ليدلّ علي التأكيد في التغيير والتحويل عن وجهه الكريم إلي العجل اللعين، ثمّ أ نّهم لم يكتفوا بهذا التغيير الظاهر فقط بل تعدوا إلي أبعد من ذلك فلا يمكن تصوره، ألا وهو إشراب العجل في قلوب الإسرائيليين حيث عبّر بعضهم عنه بقوله (اُشربَ في قلوبهم حُبُّ العجل، وذلك أنّ من عاداتهم إذا أرادوا العبارة عن مخاصرة حبّ أو بغض استعاروا له اسم الشراب، إذ هو أبلغ انجاع في البدن، ولذلك قال الشاعر:
تَغلغلَ حيثُ لم يبلُغْ شرابٌولا حُزنٌ ولم يبلُغْ سرورُ
ولو قيل حبّ العجل لم تكن هذه المبالغة، فإنّ في ذكر العجل تنبيهاً أنّ لفرط شغفهم به صارت صورة العجل في قلوبهم لا تنمحي.(18)
فهذه أوّل مبادرة إسرائيلية يقومون بها بعد انتصارهم علي فرعون وإنها ناشئة عن غباوة ذهن الإسرائيليين، وأتت حكاية العجل هذه في سورة الأعراف حيث يقول تعالي «وجاوزنا ببني إسرائيل البحرَ فأتوا علي قومٍ يعكُفُونَ (محبسون) علي أصنام لهم، قالوا: يا موسي اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهةٌ، قال: إنّكم قومٌ تجهلون، إنّ هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملونَ، قالَ: أَغيرَ اللّه ِ أبغيكُم إلهاً وهوَ فضّلكُم علي العالَمينَ »(الأعراف 138 140).
رابعاً : قساوة القلب :
من أشدّ الصفات سوءاً عند اليهود الصهاينة انتزاع الرحمة من قلوبهم، وانّ هذه الخصلة السيئة يتوارثونها جيلاً بعد جيل حيث يقول اللّه تعالي: «وجعلنا قلوبهم قاسيةً »(المائدة / 13)، فمرّة شاهدتُ من جهاز التلفاز بمناسبة يوم القدس العالمي منظراً تأنُّ له القلوب ولم أنسه طول الدّهر، لقد ألقي بعض الجنود الصهاينة القبض علي شاب من أصحاب ثورة الحجارة فبدأوا يكسرون عظام ساعديه وزنديه ورقبته بضرب مبرح بالحجر لا يهابون أحداً حتي أردوه قتيلاً.
هذا جزء يسير من التعذيب الوحشي للصهاينة وماهو كائن خلف الستار أعظم وأخطر.
وإنّك لتجد اللّه يعبّر عنهم قائلاً «ثمّ قست قلوبكم (أ يّها اليهود) من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشدّ قسوةً، وانّ من الحجارةِ لما تفجرُ منه الأنهارُ، وانّ منها لما يشققُ فيخرجُ منه الماءُ وانّ منها لما يهبطُ من خشية اللّه ِ » (البقرة / 74)، وانّ اللّه ليفضل الحجارة علي قلوب هؤلاء القُساة المردة الكفرة، وذلك لأنّ بعض الأحجار تكون مصدراً للمياه وينبوعاً جارياً له، وانّ البعض الآخر يتساقط ويهبط إلي الأرض خوفاً منه تعالي، ولكن قلوب اليهود الصهاينة أقسي من هذه الأحجار.
«وجاء في الخبر عن النبيّ (ص) انّه قال: لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر اللّه تُقسي القلب، وانّ أبعد الناس من اللّه قاسي القلب»(19).
وأمّا العاقبة :
«فلهم اللعنةُ في الدّنيا وبئس المصير في الآخرة».
لعنة اللّه :
لعن اللّه سبحانه وتعالي أعدائه جميعاً وعلي رأسهم الشيطان الرجيم وحزبه الصهاينة اليهود، وذلك لما تجلّت فيهم من خصال سيئة شتّي :
1 منها الكفر: حيث يقول تعالي «لُعن الّذينَ كفروا من بني إسرائيلَ علي لسان داودَ » (المائدة / 78)، أو يقول في موضع آخر «فآمنت طائفةٌ من بني إسرائيل وكفرتْ طائفة » (الصّف / 14)، وما كان كفرهم هذا إلاّ باتّخاذهم العجل ربّاً لهم.
2 ومنها انّهم اتّهموا اللّه سبحانه وتعالي بغُلّ اليدين حيث يقول اللّه :
«قالت اليهودُ يدُ اللّه مغلولة… لعنوا » (المائدة / 64).
3 ومنه التعدّي والتجاوز لأوامر اللّه سبحانه وتعالي كما يقول «كما لعنّا أصحاب السبت » (النساء / 45).
4 ومنها شرّ العاقبة لليهود حيث يقول العزيز «هل اُنبّئكُمْ بشرٍّ من ذلك مَثُوبةً عندَ اللّه ِ مَن لَعَنَهُ اللّه ُ وغَضِبَ عليهِ… » (المائدة / 60).
5 ومنها كتمانهم الحقّ حيث يشير البارئ بقوله «إنَّ الَّذينَ يكتمونَ مَا أنزلنا من البيّناتِ والهدي… يلعنهم اللّه ُ » (البقرة / 159).
6 ومنها نقض العهد، حيث يقول تعالي «فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقَهُمْ لعنّاهُمْ » (المائدة / 13)، وإلي آيات وآيات أخري، وما سيكون نتيجة لعن اللّه لهم أ لاّ يجدوا لهم ناصراً ينصرهم وذلك قوله تعالي : «اولئكَ الّذينَ لعنهُمْ اللّه ُ ومن يلعنُ اللّه فلن تجد له نصيراً » (العنكبوت / 25)، وكذلك لهم الخسران في الدارين.
الإنتقام الإلهي :
لقد منّ اللّه كثيراً علي الإسرائيليين سوءاً في حيات النبيّ موسي (ع) أو بعدها، حيث أنقذهم من الطاغية فرعون الذي كان يُقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم وأذلّهم أشدّ الذلّ (بحيث ترسّخت فيهم طبيعياً) ثمّ اللّه تعالي نجّاهم من استعباد فرعون قائلاً «يا بني إسرائيل قد انجيناكم من عدوّكم » (طه / 80)، أو يقول في محل آخر «ولقد نجّينا بني إسرائيل من العذاب المهين » (الدّخان / 30)، ولكن سرعان ما نسوا هذه الفضائل والكرامات من جانب ربّهم العزيز، فبدأو بالظلم والعدوان وخيانة اللّه ورسوله وكتابه، حيث أنكروا نعم اللّه عليهم وطغوا وبغوا، فما كان من اللّه سبحانه إلاّ أن ينتقم منهم ومسخهم قردة خاسئين أذلاّء إلي يوم الدّين. وهل إنتهي كلّ شيء كلاّ، بل توالي العقاب عليهم غضباً من الربّ، حيث الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم والقحط والغرق في اليم و…
كما قال عزّ من قائل «فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدّم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين… فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين » (الأعراف / 133 136).
هذا وقد عاتب اللّه اليهود في القرآن، «وذلك في طيّ نيف ومائة آية يذكر فيها نعمه التي أفاضها عليهم وكراماته التي حباهم بها، وما قابلوها من الكفر والعصيان ونقض الميثاق والتمرّد والجحود… ويذكرهم أيضاً معاصي ارتكبوها وجرائم اكتسبوها وآثاماً كسبتها قلوبهم علي نهي من كتابهم، وردع صريح من عقولهم لقساوة قلوبهم وشقاوة نفوسهم وضلال سعيهم»(20).
هذا وإنّ للبحث صلة، نرجو من العليّ القدير أن يوفقنا إلي إكماله مستقبلاً وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.