حديث «إذا سافرتم في الخصب..» إلى «عليكم بالدلجة..»

وكذلك أيضًا فإنه يسير بها سيرًا يرفق بها، ويرفق بنفسه، وبمن معه، وقل مثل ذلك أيضًا في الوقوف، فإنه لا يقف في الأماكن الخطرة التي يمكن أن يسير عليها سائرون، أو يؤدي ذلك إلى وقوع مكروه به، وإنما يبتعد عن ذلك، بحيث يتجنب مظان الأخطار.وعن أبي قتادة  قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر فعرَّس بليل، اضطجع على يمينه، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفه[2]. رواه مسلم.

“كان رسول الله ﷺ إذا كان في سفر، فعرس بليل” يدل على أن ذلك من عادته، وأن ذلك يتكرر منه.

“اضطجع على يمينه” لأن لديه من الوقت متسع للنوم، فإنه يضطجع على يمينه؛ وذلك هو المشروع، أو هو المسنون في النوم، سواء كان في السفر، أو في غير السفر، وقد ذكر أهل العلم من علله: أن القلب يكون معلقًا، فلا يكون النائم في حالٍ من الاستغراق، ثم بعد ذلك لا يشعر بشيء، فتفوته الصلاة، ونحو ذلك.

وإذا عرس قبيل الصبح” يعني: إذا نام متأخرًا، كأن نزل في وقت السحر، أو نحو هذا نصب ذراعه يعني: الأيمن؛ لأنه يبقى أيضًا على شقه الأيمن، فهو يضع كفه تحت خده الأيمن، ويضطجع على شقه الأيمن إذا كان في ليل، وإذا كان في آخر الليل نصب ذراعه الأيمن، ووضع كفه على خده الأيمن “ووضع رأسه على كفه، رواه مسلم” بمعنى: أنها نومة خفيفة غير مستغرقة، لا يؤخذ فيها الجسد حظه من الأرض، وإنما يكون في حال من التهيؤ للاستيقاظ؛ وذلك من أجل أن يستيقظ للصلاة، فلا يستغرق في النوم، فتفوته صلاة الصبح عن وقتها، هذا في سفر، وهذا هديه ﷺ في أسفاره حرصًا على الصلاة، فكيف بمن يضيع الصلاة في الحضر والسفر، ولا يرفع لذلك رأسًا، بل يوقت الساعة على وقت الذهاب إلى العمل، بل ربما لا يصلي أصلاًالفجر، وللأسف هذا أمر شائع ذائع، وينبغي على العبد أن يستدرك مثل هذا التقصير العظيم، وأن يصلح من حاله ومن عبادته وصلاته قبل أن يوافي، ثم بعد ذلك لا ينفعه الندم.

إن الأرض تطوى بالليلعن أنس  قال: قال رسول الله ﷺ: عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل[3] رواه أبو دواد، بإسناد حسن.
عليكم بالدلجة المقصود بالدلجة: هي السير في الليل.

فإن الأرض تطوى بالليل بعض أهل العلم قال: تطوى حقيقة، وينزوي بعضها إلى بعض في الليل، فتقصر عليه المسافة.

وبعضهم يقول: فإن الأرض تطوى بالليل المقصود به: أن الليل يكون فيه من برد الهواء ما لا يكون في النهار، فيكون ذلك أنشط للدواب، فتسرع في سيرها، ويخف عليها السفر، وطول المسير، فتقطع في الليل من المسافات ما لا تقطعه في النهار

.ولا شك أن ما يحصل للإنسان من النصب في النهار، وما يكون فيه من إشغال الحواس بالأصوات وغيرها، وما يكون فيه من المشاق بسبب حر الشمس، فإن ذلك يطول عليه المسير، بخلاف الليل، فإن ذلك يقصر عليه؛ لأن حواس الإنسان تكون في حال من الهدوء، وهكذا حواس الدواب، ويكون السير أسهل، والدواب أنشط للمسير، فتقطع ما لا تقطعه؛ ولهذا قالوا في الأمثال: “عند الصباح يحمد القوم السرى” لأنهم يقطعون فيه ما لا يقطعون في غيره، فهنا قال: فإن الأرض تطوى بالليل والفاء تدل على التعليل، يعني: أن يحرص الإنسان على السير ليلاً، فإن ذلك أدعى لقطع المسافات الطويلة، وهذا لا يعارض -كما أشرتُ في الأمس- ما ورد من الأمر بإمساك الصبيان والدواب في أول الليل، حتى تذهب فحمة العشاء؛ لأن الشياطين ينتشرون فيهذا الوقت، فيكون المقصود بالسير في الليل بعد ذهاب فحمة العشاء.

والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top