بقصر الخطيب ومنذ ذلك اليوم وهو تقريباً لا يراها كثيراً.. حاله كله متغير منذ ذلك اليوم الذي رآها فيه وهى شبه عارية بثوب السباحة خاصتها.. كلما اغمض عينيه يراها تقف به وتبتسم له أين هي؟
والى متى ستظل هكذا؟ فجأة فتح باب المكتب دخلت هى مالاعصار تقول:ابيه عامر… ممكن افهم مين اللي قال لحضرتك انى عايزه أقدم فى جامعة خاصه؟
وأخيرا هى امامه.. كان ينظر لها نظره شمولية بفستانها البيتى القصير وذلك الخف البسيط في قدميها.. شعرها الذى تضفره وتجمعه على جانب واحد… ذراعيها.. صدرها.. خصرها.. اووه لقد كبرت مليكه وأصبحت فتنه متنقله هذا كل ما كان يفكر به.. لم يكن ابدا يفكر لا بعصبيتها ولا بحديثها او اى شئ
مليكه بغضب :ابيه.. انا بكلمك
اخيرا انتبه عليها وقال :فى حاجة يا حبيبتي؟
أصبحت كلمه حبيبتي منه تعصبها… لازال يتحدث مع طفله.. مع ابنته فيقول حبيبتي هكذا.. تلك الكلمة الجميلة التى تتمنى أن تسمعها منه بإحساس وشعور مختلف يستخدمها هو للتعبير عن حبه لابنته التى رباها.. وكأنها كلمه عاديه
تقدمت منه بغضب وقالت :ماتقوليش ياحبيبتى تانى عامر :ليه؟
مليكه:هو كده وخلاص
عامر :ياسلام.. عموما مش موضوعنا.. تعالى اقعدى وقوليلى كنتى بتقولى ايه؟
مليكه :انا مش عايزه اقعد.. كل الى عايزه اقولو انى مش هقدم في جامعة خاصه ولا هدخل هندسه زى ما حضرتك شايف ومخطط .
عامر بحده:نعم؟ امال هتعملى ايه؟
مليكه :هقدم فى جامعه القاهره عادى زيى زى اى حد واشوف مجموعى هيودينى فين
عامر:مجموعك ده يوديكى الملاهي ياحبيبتى.. اسمعى الكلام يالا.
مليكه :ايه اسمعى الكلام.. ناقص تقولى اسمعى الكلام يا شاطره.. ابيه عامر لو انت شايف نفسك كبير اوى كده دى مش مشكلتى.. مش هقبل أنى أفضل اتعامل على انى العيله الصغيره اللي المفروض انها تنفذ كلامك انا مش ذنبى انك كبير وانا أصغر منك نظر لها بزهول يردد:انتى بتقولى ايه؟ مليكه :زى ما سمعت حضرتك.. حتى لو كنت شايفنى صغيرة فدا بقا اخر همى.. مش مهم انت شايفنى ايه المهم انك تحترم رائي ورغبتى.. كون أنك شايف نفسك كبير في السن ده مايديش ليك الحق أبدا أنك تشوفنى عيله صغيره وتختزل كل تصرفاتى وقراراتى المصيرية من خلال رغبتك انت.. الصغيره دى ماهى بنى ادمه وليها قلب وعقل وعايزه الكل يحترمهم زى ما هى بتحترم قلب وعقل الى اكبر منها ولا بتقول دول دقه قديمه ولا بتتفزلك عليهم.
تركته ينظر لها بصدمه وغادرت.. هوى على المعقد خلفه وهو لايصدق ان من كانت تقف أمامه منذ قليل هى مليكه.. تلك الطفله التى رباها على يده… قالت كلام جديد عليه كليا.
منذ متى وهى بهذا النضج والعمق.
لقد كبرت مليكه دون ان يدرى او يلاحظ. اخذ الأمر منه أكثر من نصف ساعة حتى يستوعب كل ما قالت… الى ان وقف وخرج من مكتبه يتجه إليها دق الباب مره.. مرتين… ثلاثه.
إلى أن جاء صوتها : أدخل.
فتح الباب ودلف للداخل وجدها متكوره على فراشها تخبئ وجهها فى الوساده.
تحدثت بوهن:لو سمحتي يا كارما انا مش جعانه دلوقتي زى ماقولتلك اتغدوا انتو وانا هبقى اكل بعدين.
تقدم منها يرفعها له يقول :بس انا مش كارما نظرت له بزهول مردده:ابيه..فى حاجة؟!
عامر بحنان:مش عايزه تاكلى ليه؟
نظرت له بحزن وقالت ببرود:مش جعانه ماليش نفس.
عامر:ايه الى مضايقك اوى كده كل ده عشان الكليه؟هو احنا مش اتكلمنا فى الموضوع ده قبل كده وانا قولتل…. قاطعته هى تتحدث بمراره ووجع :أن مجموعى مش اد كده ولازم ادخل كليه قمه زى كل ولاد الخطيب..مش كده يا ابيه.. هو مين اللي ادى لحضرتك الحق انك تقلل منى كده… بأى صفه يعنى.. وهى كليه القمه الى هتخلينى بنى ادمه؟ يعنى مثلاً لو دخلت حقوق ولا آداب ولا حتى معهد سنتين قمتى هتقل.. الناس بتحترم بس الدكاترة والمهندسين.. احب اقولك انى انا الى هجبر الى قدامى انه يحترمتى بقوه شخصيتى واحترامى… انت ازاى تقولى كلام زى ده عادى كده وقدام الكل وانا ازاى سكت وقبلت كلامك ده.. ولا انا كنت مغيبه وف دنيا تانيه؟
عامر :مليكه… انا مش مصدق انى بسمع الكلام ده منك انتى… انتى امتى كبرتى كده وامتى بقا تفكيرك كبير كده… انا مش متخيل بجد.. ده أنا الى مربيكى مليكه :مش مصدق ايه.. انى كبرت. ولا انى بنى ادمه وبحس.. ولا الأصعب انك لا مصدق ولا متخيل ان مليكه هتقولك لا على قرار اخدته فى حياتها؟
بالضبط كان هذا جزء من تفكيره.. كيف تستطيع تلك الصغيرة أن تعرى عقله فتظهر أفكاره لها هكذا… ابتسمت بمراره وهى تراه ينظر لها باستغراب فكيف علمت ما يجول بخاطره.. اغمضت عينيها بحزن فهو لطالما اعتبرها تابع له.. فى ذيله… خلفه.. فى الخلف تلهث.. لم ولن يراها يوماً فى المقدمة.. ولا أمامه.. كفى.. كفى كل هذه السنوات.
تحدث هو قائلا :بصراحة اه.. انا طول عمري باخدلك كل قراراتك وانتى… قاطعته مجدداً :كنت بوافق وانا فرحانه ومبسوطه مش كده؟
صمت موافقا فقالت:بس خلاص انا كبرت حتى لو حضرتك مش واخد بالك فبراحتك خلاص مابقاش فارقلى. الى مهم عندى دلوقتي انى مش هفضل تابع لحد احتدت عينيه عند هذه الفكرة يقول :يعنى ايه؟ ويعني ايه مش فارقلك؟
مليكه:يعنى من هنا ورايح كل قراراتى هاخدها بنفسى وهدخل الكليه إلى انا عايزاها .
عامر بغضب :وهتعملى كده ازاى بقا!؟ورينى… ماتنسيش أن انا الواصى عليكى يعني بتحكم في كل خطواتك.. ماتقدريش تعملى كده الا بموافقتى.
وقفت أمامه بغضب تقول :مانا بردوا قررت أن هننقل وصايتى لفادى عامر بصدمه :ايه؟ فادى؟؟ مليكه :اه.. اهو يتدرب على مسؤليتى ياخد هو قراراتى… كفاية عليك لحد كده تشيل مسؤليتى
هدر فيها بغضب :وانا كنت اشتكيلك.
مليكه:لو سمحت يا ابيه… خلينا نخلص الموضوع ده بجد… انقل وصايتى لفادى وانا بعرف اتفاهم معاه. كل هذا وحديث صديقه يتردد بإذنه.. انه بعد ما حدث اول شئ ستفعله مليكه هى ان أن تخرج من دائرته التى صنعتها حول نفسها لسنوات وتعمل على صنع حياه ودنيا جديدة يكون هو خارجه عندما وصل به تفكيره لهما تزامنا مع حديثها عن فادى قال بغضب :يعنى ايه.. بتعرفى تتفاهمى معاه عنى؟ خلاص بقا هو الى فاهمك؟
ابتسمت بحزن وتحصر قائله :انتو مافيش ولاحد فيكوا فاهمنى… مافيش غير تيتا بس الى بحس انها فهمانى حتى وهى لا بتتحرك ولا بتتكلم.. صحيح الاحساس ده أكبر نعمه.. تملى تقول انا الى مربيكى انا الى مربيكى.. طيب قولى يا ابيه.. تعرف عنى ايه ها؟ يعنى بحب ايه بكره ايه… طب ايه الالوان الى بحبها. طب بحب اخرج فين… بلاش… عندى مواهب ولا ماعنديش.. بحب القرايه مثلاً ولا بحب الأغانى. طب ايه اكتر اكله بحبها… بحب لما نسافر نسافر فين؟ وقف مبهوت أمامها صامت… عاجز عن الرد. فقالت :مش معنى أنى عايشه معاكوا هنا وانت الى مسؤل عن شغل المجموعة يبقى انت الى مربينى.. انت اصلاً مش واخد بالك منى ولامركز معايا… انا.. انا الى دايماً واخده بالى ومركزه.. مركزه فى كل تفاصيلك ياكبير يالى مربينى.. يعنى مثلاً عارفه انك بتحب اللون الاسود والفيروزى والازرق… بتحب تسمع اغانى جاز وغربى اكتر… اكتر اكله بتحبها المكرونه بالبشاميل والبيتزا… بتحب دايما تسافر اسبانيا ولو هتخرج بتحب تروح اماكن مغلقه بس.. تحب اكمل ولا كفاية كده.. انت ولا واخد بالك منى ولا مربينى زى ما كنت فاكر.. انا بالنسبه لك كنت امانه.. واجب.. وواجب تقيل كمان لما ماما ماتت وبعدها تينا واضطريت اجى اعيش هنا..لكن خلاص بكفايه لحد كده وانا بعفيك من المسؤلية.. انا كبرت ومش محتاجه حد يبقى بالاسم مسؤل عنى ويختار ويحدد مصيرى على كيفه ومش واخد فى اعتباره غير سمعت عيلته وبس .
لأول مرة يشعر بكم هو صغيييييىر هكذا أمام أحد… وليس اى أحد… إنها مليكه.. أصغر فرد يتعامل معه بحياته… والاكثر من ذلك أنه يستشعر طعم المراره التى تتدفق بقلبها وحلقها… كأن قلبه ممزع من وجعها الظاهر بعينيها وصوتها تحدثت بصرامه تقول :لو سمحت اتفضل عشان عايزه انام. عامر :مليكه انا…
قاطعته بقوه :لو سمحت بعد اذنك اتفضل مش عايزه اتكلم تانى كلامى خلص… خلاص الكلام مش هيطول لأنك عايز وحابب نتكلم.. كل ده خلص. دلوقتي انا خلصت الى عندى يبقى الكلام خلص.. هتخرج ولا هتفضل واقف لما اغير قدامك مثلا؟
نظر لها بصدمه… لا يصدق ذلك الإصرار والقوه بعينيها أمام كل ذلك خرج بدون التفوه بحرف.. وهى سقطت على الفراش خلفها تبكى بحرقه على طاولة الطعام يجلس وهو يقلب فى طعامه بشرود.. يفكر فيها.. حديثها… صوتها الموجوع.. أيضاً حديث كارم يقفز لعقله كل ثانية… ينظر إلى مقعدها الفارغ وهو صامت يفكر كأنه معزول عن الجميع.. لكنه انتبه على صوت نادر ينظر له بغضب وحده حين وجده يسأل :هى فين مليكه؟ ماجتش تتغدا معانا ليه؟
وجد حالة يرد بغضب غير مبرر يقول :وانت مالك انت؟
نادر:فى ايه يا عامر ماتتكلم كويس… البنت فين مش المفروض حد يناديها على الغدا .
عامر :نادر لو سمحت مالكش علاقة بمليكه ولا اى حاجة تخصها.
نادر:ليه يعني مش فاهم؟… انا هطلع اناديها انا عشان تاكل.
عامر بغضب :تطلع فين يا استاذ انت.. ده الى هو ازاى يعنى؟
كل ذلك الشجار وهناااك على الطرف الآخر من المائدة تجلس الجده الفت تمضغ قطعة لحم بتلذذ واستمتاع رهيب تنظر تجاه عامر المشتعل بشماته واستمتاع.
تدخلت ناهد فى تلك اللحظه وقالت :فى ايه يا عامر بتزعق لابن خالتك ليه.. الحق عليه انه واخد باله من البنت.
فى ذلك الوقت دق هاتف نادر فقال:هرد بس على المكالمة وراجعلك.. ها.
ظل ينظر لاثره بغضب وانتبه على حديث خالته تقول :احمم.. بقولك ايه يا عامر.. كنت عايزة اتكلم معاك فى موضوع كده قبل ما يرجع.
عاود الجلوس على كرسيه يحاول أن يهدأ وقال :اه طبعا اتفضلى.
هدى:هو يعني.. احمم….فادى بيحب مليكه؟ اقصد يعنى عايز يتجوزها اوى؟
ضيق عينيه يقول :بتسالى ليه؟