لذا لا حل أمامي إلا أن تمشطيها وتلبسها ثيابًا جيدة حتى أذهب بها إلى سوق العبيد ، وهناك أبيعها فتجد قومًا يطعمونها ، بينما نقتات نحن بثمنها ونأكل حتى لا نموت جوعًا ، ولكن زوجتي أنكرت عليّ ما قلت وظلت تحاول إثنائي عن الفكرة ، لكنها سرعان ما رضخت لقولي وبالفعل جهزت ابنتنا فخرجت بها إلى السوق ، وبينما نحن هناك مر بنا رجل من البادية فلما رآها أعجبته واسترخص ثمنها ، وبعتها له على اثني عشر ريالاً من الفضة .
وعندما أخذت المال عدت مسرعًا إلى سوق التمور ، كي أشتري زنبيلاً من التمر نقتات به وبالفعل اشتريت زنبيلًا بريالين ، ولأن الجوع قد أخذ مني مبلغه لم أستطع حمله واستأجرت حمالًا يتبعني به إلى الدار ، ولما وصلت إلى هناك التفت إليه فلم أجده خلفي ، فرجعت أبحث عنه ولكني لم أعثر عليه ، ففكرت أن أشتري زنبيلًا أخر من العشرة ريالات التي تبقت معي ، ثم أبحث عنه في وقت لاحق .
وحينما وصلت إلى السوق واشتريت الزنبيل ، وضعت يدي في جيبي لأنقد التاجر ماله فلم أجد شيئًا ، فنزل بي الهم والغم وشعرت أن الدنيا أظلمت أمامي ، فعزمت على الذهاب للحرم والدعاء هناك لعل الله يفرج كربتي ، وبينما أنا أقف وجدت البدوي يطوف ومعه ابنتي ، ففكرت أن أتربص به في إحدى الشعاب وأقتله حتى أخلص ابنتي من مصيرها الذي سلمتها له بيدي ، وعندما انتهيت من الطواف صلى خلف المقام فصليت خلفه .
حينها رآني وقال لي يا رجل : من هذه الفتاة التي بعتني إياها فقلت جارية عندي ، فقال لي بل هي ابنتك فقد سألتها وأخبرتني ، ثم قال لي : أخبرني ما الذي حملك على بـiع ابنتك ،فقصصت عليه ما مر بي من كرب وضيق وأننا لم نأكل منذ أيام ، وعندما خشيت عليها وعلى نفسي وزوجتي من الموت قررت بيعها لعل الله ينقذنا بها وينقذنا بك .
ثم أخبرته بما جرى لي مع الحمال وأني فقدت ثمنها الذي بعتها به ، فقال لي : أيها الرجل خذ ابنتك ولا تأتي مثل هذا الفعل مرة أخرى ، ثم أخرج صرة كانت معه به 30 ريال ، وقسمها بيني وبينه ففرحت فرحًا عظيمًا بعودة ابنتي وبالمال الذي أعطاه لي ، وشكرته على حسن صنيعه بعد أن حمدت الله ، ثم انصرفت أنا وابنتي إلى سوق التمر مرة أخرى كي اشتري لنا طعامًا .
وبينما أنا هناك فوجئت بالحمال ينادي عليّ ويقول لي : أين كنت يا شيخ لقد أسرعت في سيرك حتى أضعتك وأضعت الطريق ، وظللت أبحث عنك فلم أجدك لذا رجعت إلى السوق لعلك تعود باحثًا عني ، حمدًا لله أني وجدتك ، فقلت له : حمدًا لله ألحق بي حتى أعطيك أجرك ، ولما دخلنا إلى البيت وجئت له بإناء يفرغ فيه التمر ، وجدت العشرة ريالات التي فقدتها أسفل الزنبيل .
فقالت : يا سبحان الله وعلمت حينها أن الفرج يأتي بعد الكرب ، وأن مع العسر يسرًا ومن وقتها عاهدت ربي على شكر نعمته وإكرام الطعام ، وألا أحقر طعامًا طيبًا أو أرميه أو حتى أتركه مع القمامة والقاذورات ، فتلك هي قصتي وهذا هو السبب وراء ما فعلت ، فهل ألام على ذلك يا شيخ !!