نظرت مريم بلامبالاة إلى الأخبار ثم هزت رأسها بيأس على مايحدث في هذه الحياة، عادت بتفكيرها لياسين مرة أخرى؛ فمن الواضح تلك المرة أنها يجب عليها أن تشكره بشدة لمساعدتة لروان … نعم ستنتظر قدومه للمشفى وستشكره … مرت الأيام ومريم في إنتظار قدوم ياسين للمشفى ولكنه لم يأتِ، إختفى مثلما يختفي الجميع .. تم تنفيذ حكم الإعدام وقد حضرت روان ووالديها التنفيذ وذلك أراح قلبهم كثيرًا لأنه يستحق … حزنت مريم لذهاب روان والذي كان وداعهما لبعضهما مؤثرًا، ولكن مريم كانت تقوم بتهدئ نفسها دائمًا أنهم في النهاية جميعًا يرحلون، حتى ذلك الطفل الذي قامت بإجراء عمليته لم تستطع التحدث معه كثيرًا لأن رجال ياسين أخذوه من المشفى بعد أن تم شفاءه … كل هذا وياسين لم يظهر بعد ولا تعرف كيف ستقابله .. في أحد الأيام .. كانت مستلقية بسريرها بغرفتها ممسكة هاتفها تبحث عن غرفة للإيجار بمكان قريب من المشفى حتى لا تبتعد كثيرًا .. تبحث وتبحث لكنها لم تجد شيئًا، تنهدت تنهيدة بسيطة ثم جاء في خاطرها هشام الذي إختفى نهائيا من حياتها … وضعت يدها على مكان قلبها تُكابر وتعاند الشعور الذي تشعر به وهو الإشتياق واللهفة، ثم وبضعف قامت بإلغاء الحظر له وفتحت صفحته الشخصية على ذلك التطبيق الذي تستخدمه، وجدت أن آخر ظهور له كان قبل دقائق، وآخر منشوراته كانت صورًا له منذ يوم وهو يضحك على الشاطئ بسعادة،
وصورة أخرى له وهو يقود يختًا وسط البحار، ويقوم بنشر النكات التي عليها تفاعل كبير على صفحته … أخذت دموعها تهطل بغزارة دون أن تشعر … يعيش سعيدًا، أما هي وحيدة وحزينة ليس لها أحد، لا أحد يبقى معها، ندمت كثيرا على إلغاءها الحظر وتتمنى أنها لم تلغيه وتريد أن تُرجعه مرة أخرى وللأسف يجب أن تنتظر أربعة وعشرون ساعة لتفعيل الحظر له مرة أخرى، خرجت من صفحته وأخذت تتصفح هاتفها بشرود على ذلك الموقع ولا تعلم كم مر من الوقت على ذلك، تمر المنشورات أمامها حتى قابلها خبر على أحد الصفحات الإخبارية جعلها تعقد حاجبيها بتعجب ..
“إلقاء القبض على سيدة تتهرب من الضرائب منذ سنوات عديدة تُدعى “ميرفت محمود عباس” ..
توقفت أمام ذلك الخبر قليلا لا تصدق ماتراه أمامها .. هل حقًا أخذت العدالة مجراها تلك المرة؟؟؟ أم أنها تحلُم؟؟ .. تنهدت مريم بشفقة على تلك المرأة ثم أغلقت هاتفها .. لا تستطيع أن تقول أنها تستحق .. ولكن لا أحد يقف أمام العدالة
.. هذا إذا كانت فعلا العدالة … أغمضت عينيها بهدوء تحاول النوم وبالفعل أخذها النوم إلى أجمل الأحلام التي تهرب بها من الواقع .. أحلامها بذلك الفارس المجهول ولكن تلك المرة ليست كَكُلِ مرة .. تلك المرة تحلم بضمةٍ دافئةٍ تحتويها بقوة .. تستند برأسها على صدر أحدٍ وهي نائمة وكل ماتشعر به هو الراحة والهدوء كأنها تعيش في عالمٍ آخر، عالم خالٍ من ضغوط الحياة … تتنهد بإرتياح وهو يداعب شعرها الأسود المموج برقة … تتمنى لو تظل هكذا في أحضان من يحتويها ولا تبتعد عنه أبدًا … إبتسمت مريم أثناء حلمها في غرفتها المظلمة .. هكذا هي دائمًا .. تعيش مع أحلامها الغريبة هربًا من واقعها المحتوم ..
في صباح اليوم التالي:
تتابع المرضى بالمشفى بكل نشاط وحيوية وإبتسامة جميلة بها أمل فيما هو قادم، لا تعلم ماذا سيحدث يومًا ما .. بعد ذلك الحلم الذي أشعرها بالراحة النفسية قليلًا شعرت أنها أصبحت بخير … لا تعلم من ذلك الفارس الذي كان في حلمها، ولكن! .. أيتحكم المرء بأحلامه؟؟؟ .. إبتسمت إبتسامة خجولة وهي تمارس عملها بإتقان، ثم عادت لجديتها مرة أخرى تحاول نسيان ذلك الحلم الرائع ..
بعد الظهيرة:
تنظر في بعض الملفات بيديها وتقرأها بحرصٍ وهدوء وهي تسير بأحد ممرات المشفى .. ثم تنهدت تنهيدة عميقة وأغلقت الملفات وأكملت سيرها وهي تقوم بتعديل شعرها الأسود ورميه للخلف لأنها كان يغطى وجهها وفي تلك الأثناء ظهر ياسين في الممر وهنا تجمدت مريم بمكانها متفاجئة بوجوده .. لا تستطيع تفسير نبضات قلبها السريعة عندما تراه في كل مرة .. ولكن تفسيرها الوحيد هو الخوف … كانت تظن أنه سيُكمل سيره ولكنه توقف .. وبالتحديد توقف أمامها ينظهر لها بهدوء ..

