أغلق ياسين المكالمة الهاتفية بعد تلك الكلمة وإستقام من مقعده في نية منه للخروج من الشركة ..
……………………………….
ضمت مريم بقوة لوداعها ..
مريم:”أمانة عليكي يا أشرقت خدي بالك كويس من لولي.”
أشرقت:”حاضرماتقلقيش، .. *تحدثت بتأفف* .. وبعدين إنتي يادوب هتغيبي شهر، ماتحسسنيش إنك هتغيبي العمر كله.”
ضحكت مريم بخفة ثم أشارت لها بيدها تعبر عن الوداع وركبت إحدى وسائل المواصلات التي ستوصلها للبلد الريفي الذي ستذهب إليه .. جلست مريم بالمقعد الثالث في الحافلة الصغيرة والذي يُسمي “ميكروباص” .. مستندة برأسها على النافذة تفكر بياسين وتشرد بالطريق حتى مرت دقايق بسيطة وإستسلمت للنوم الذي شعرت به فجأة .. لا تدرى كم مر من الوقت ولكنها شعرت بعجز وهي نائمة .. شعرت بإنقطاع أنفاسها .. شعرت بأنها تختنق .. تمـoت … أصوات صراخ عالية حولها جعلتها تعقد حاجبيها بإنزعاج وألم … لا تستطيع التحرك … فتحت عينيها بتعب وتأوه .. ونظرت حولها بهلعٍ عندما وجدت حولها الكثير من جثث الركاب فى السيارة حولها ملقون على الأرض وهناك رجالٌ يحاولون إنقاذ الباقين .. أما هى لاحظت أن هناك قطرات دـm كثيفة تنتشر على ثيابها من جانب رقبتها .. شعرت بأن هناك شئٌ حاد إخترق عنقها ولا تستطيع التحرك إنشًا واحداً بسببه …. منذ عدة دقائق … كان رجال ياسين يراقبون السيارة التي تحركت الآن ولحقوها … وبعد مرور عدة دقائق بسيطة من ملاحقتهم إياها .. كان سائق السيارة التي بها مريم يتحرك بشكل سريع فهو طريقٌ حر ولم ينتبه لتلك الشاحنة العملاقة تسير بالإتجاه المعاكس سريعًا حتى تقابلت الشاحنة مع السيارة وحدث تصادم قوي بينهما … توقفت سيارة رجال ياسين سريعًا وهبطوا من السيارة يحاولون إنقاذ ضحايا الحادث وخاصة الطبيبة .. قام أحدهم بالإتصال بياسين ليخبره بما حدث .. كان يجلس بسيارته يفكر بها كعادته … إستفاق من شروده على صوت هاتفه، إلتقطه بهدوء وقام بالرد دون أن يقول أي كلمة .. ولكن ملامح وجهه قد تبدلت بشكل غريب ..لا يصدق ما يسمعه ..
؟؟:”ياسين بيه؟؟ حضرتك معايا؟”
إستفاق ياسين مما شعر به وهو شعور الفقدان مرة أخرى ولكنه إستجمع ما تبقى من هدوئه ..
ياسين:”إنتوا فين؟”
؟؟:”إحنا في ******.”
لقد كان الحادث قريبًا منه، أغلق المكالمة الهاتفية وأمر سائقة بالركوب مع باقي الرجال وأخذ هو القيادة .. تحرك بسيارته سريعًا ولحقه رجاله بسياراتهم …بعد مرور دقائق قليله .. كان يتحرك بسيارته سريعًا يتمنى ألا يحدث لها شئ، يتمنى ذلك من كل قلبه، ولكن سيارته أصدرت صريراً عاليا عندما توقف بصدمة وهلع من هول ما رأى أمامه .. شاحنة نقل كبيرة ملقاة بمنتصف الطريق وأناس مجتمعون خلفها .. هبط من سيارته سريعًا لكى يرى ماذا حدث تحرك بسرعة خلف هذه السياره وهنا صدم مما رآه سيارة أخرى مقسومة إلى نصفين وحولها جثث الركاب والذين كان يخرجهم رجاله من السيارة، يقف تائهًا وهو ينظر للضحايا .. كان هناك من هو حى ولكن يلفظ أنفاسه الأخيرة والآخرون ميتون ملقون على الطريق بإهمال … بحث عنها بهلع وخوف تكون فى قلبه لأول مرة … بحث عنها ولم يراها بين الجثث تنهد بإرتياح ولكنه فتح عينيه على وسعهما عندما رآها هناك ويقف رجاله هناك أيضًا لا يعرفون كيف يحملوها من حالتها!! … مستندة بجسدها فى النصف الآخر من العربة مغمضة العينين .. شعر بأن روحه سوف تُزهق عندما رأى قطعة كبيرة من الزجاج موجودة فى عنقها ويخرج من هذا الجرح الكثير من الدماء … إقترب منها سريعًا بعدم إستيعاب لما يحدث أمامه وبدأ يربت على كتفها لعلها تستيقظ ..
ياسين بإرتجاف:”مريم.”
لم تستيقظ ودب الرعب فى قلبه أكثر .. مسك أكتافها وبدأ يصرخ بها ..
ياسين بصراخ:”مريم.”
يحاول إيقاظها بشتى الطرق ولكنها لا تستيقظ .. هبطت دمعة من إحدى مقلتيه بعجز وضعف من هذا الموقف الذى هو ملقى به لا يعرف كيف يحملها .. لا يعرف كيف يفعلها خوفاً من أن يحدث لها مكروه .. قامت بفتح عينيها بإرهاق .. رأته أمامها الشخص البارد الذي تعشقه هنا .. ولكنه ليس بارد تلك المرة … الهلع والدموع فى عينيه .. كان يصرخ بإسمها بأقصى طاقته .. دلالة على ضعف موقفه وعجزه .. كبكب وجهها بين يديه اللتان إمتلئتا بدمائها ونظر فى عينيها وهدأ قليلا ..
ياسين بدموع:”خليكى صاحيه .. خليكى صاحية.”
أغلقت عينيها بتعب وإستقام من مكانه وقام بخلع معطفه الأسود والذى قد إمتلأ بدمائها .. قام بتغطيها به وذلك لأنها كانت ترتعش كثيراً .. حملها بين يديه وهو يبكى ولا يهتم لقميصة الذى تلوث بدمائها .. فتحت عينيها مرة أخرى بوهن وبدأت الرؤية تتشوش أمامها وكل ماتراه كان ياسين الذى يبكى ولكنه يحاول أن يظهر صلابته كأن لم يحدث شئ .. نظرت مطولاً إلى وجهه الذى يحمل ملامح قاسية ولكن الآن هو أبعد ما يكون عن القسوة .. الخوف والقلق ودموعه التى تهبط من مقلتيه .. نظراته الخائفة من فقدانها … حقى واعية ولكنها لم تستطع بسبب فقدانها الكثير من الدماء، أغمضت عينيها وفى تلك اللحظة نطقت بإسمه بتعب..
مريم:”ياسين.”
ولكنه لم يسمعها كان كل ما ينشغل به الآن هو إنقاذها فقط …
“فى تلك اللحظة فقط أدركت كل شئ .. أدركت أنك أكثر شخص يحبنى حتى وإن لم تظهر ذلك، فيكفى دموعك تلك.”
“كوني سعيدة”
يحملها بين يديه يجري بها نحو سيارته ولكنه إنتبه عندما رأى سيارة إسعاف قادمة وخلفها العديد أيضًا .. ركض نحو السيارة التي توقفت أولاً؛ فهو بحاجة أن يتم إيقاف نزيفها .. قدمها لرجال الإسعاف وحملوها على عربة نقالة في السيارة وبدأوا بعمل الإسعافات الأولية لها وهي إيقاف النزيف .. ركب ياسين السيارة معها وظل بجانبها ممسكًا بيدها يضغط عليها بقوة وينظر لها كالتائه تارة، وينظر لرجال الإسعاف وهم يحاولون فعل مابوسعهم لإنقاذها تارة أخرى ..
؟؟:”لو سمحت، محتاجين حضرتك تساعدنا.”
نظر لهم ياسين بتيه .. أشار له أحد الشبان بالتمسك بالمنشفة الموضوعة على عنقها لمنع النزيف .. وضع ياسين يده الممتلئة بدمها على المنشفة وهو ينظر لمريم كالطفل الضائع .. أكمل رجال الإسعاف باقي إجراءاتهم لنجاتها .. تسير في ممر المشفى تحاول الإتصال بها مرارًا وتكرارًا لتطمئن عليها ولكنها لا تُجيب ..
أشرقت بتعجب:”ماصدقت تمشي دي ولا إيه؟؟”
تأففت بضيق ثم أكملت سيرها ولكنها توقفت عندما قابلت الطبيب آسر في طريقها ..
آسر بإبتسامة:”إزيك يا دكتورة؟”
أشرقت بإحراج:”أنا الحمدلله، حضرتك أخبارك إيه؟”
آسر:”تمام.”
نظر حوله يبحث عن مريم بعينيه ولكنه إنتبه لأشرقت ..

